في أطلال منزل احترق نحو عام 1700 قبل الميلاد في غرب الأناضول، عثر علماء الآثار على طوبة طينية تحمل أثرًا واضحًا لكفّ كلب. انطبعت أربع وسادات إصبع مستديرة في الطين الرطب بينما كانت الطوبة لا تزال تجفّ في الشمس، وبقيت عليها إلى الأبد.
عُثر على هذا الاكتشاف في مستوطنة تافشانلي-هويوك في ولاية كوتاهيا. وتُجرى الحفريات هنا منذ عام 2021 بقيادة الأستاذ أركان فيدان من جامعة بيله جيك شيخ أديبالي. كانت المستوطنة قائمة منذ نحو ثمانية آلاف سنة، وفي العصر البرونزي صارت واحدة من أكبر المستوطنات في غرب الأناضول. ونحو عام 3200 قبل الميلاد عاد الناس إليها بعد فيضان وعاشوا فيها بلا انقطاع ألفًا وخمسمائة سنة، حتى دُمّرت المستوطنة بحريق، ربما نتيجة هجوم.
كان الناس في ذلك الزمن يصنعون الطوب ببساطة: يخلطون التراب والماء والقش، ويصبّون الخليط في قوالب ويتركونه ليجفّ. وفي تلك اللحظة بالذات مرّ كلب على إحدى الطوبات. بقي الأثر، ودخلت الطوبة في جدار المنزل، ثم وجدت بعد الحريق بين الأنقاض. وأشار وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرسوي إلى أن مثل هذه الآثار تحفظ «جزءًا صغيرًا من الحياة اليومية قبل أربعة آلاف سنة».
رافقت الكلاب الناس في الأناضول منذ زمن بعيد جدًا. وتُظهر الدراسات الجينية أن الكلاب المستأنسة عاشت هنا منذ نحو 15 800 سنة. وبحلول العصر البرونزي كانت جزءًا مألوفًا من المستوطنات، لا مجرد مساعدين في الصيد أو الحراسة فحسب. ويقدّم الأثر على الطوبة شهادة مباشرة ومؤثرة بشكل خاص على هذا القرب: فالحيوان مرّ ببساطة في موقع البناء، كما كان يمكن أن يفعل اليوم.
ليست هذه المرة الأولى التي تُعثر فيها على آثار عابرة لحيوانات على قطع أثرية قديمة. فقد بقيت آثار كفوف قطط على مخطوطات من العصور الوسطى، وآثار كلاب وغزلان على قرميد روماني. وكل أثر من هذا القبيل يذكّرنا بأن وراء الأحداث الجسيمة — الحروب والحرائق وبناء المدن — كانت حياة عادية يتقاسم فيها الناس والحيوانات المكان نفسه.
لا نعرف هل لاحظ أحد من البنّائين هذا الأثر أم استخدم الطوبة كما هي. ولا نعرف هل كان ذلك الكلب حيوانًا أليفًا محبوبًا أم حيوانًا ضالًّا في المستوطنة. لكن مجرد وصول الأثر إلينا يقول إن القليل جدًا تغيّر في علاقة الإنسان بالكلب على مدى أربعة آلاف سنة.
تجعلنا مثل هذه الاكتشافات ننظر إلى علم الآثار نظرة جديدة: فهو يحفظ لا الأسلحة والحلي فحسب، بل أيضًا إيماءات عابرة من الحياة اليومية تربطنا بأهل الماضي برباط أقوى من أي سجل تاريخي.
