حين تستثمر دولة صغيرة عشرات الملايين في نماذج أولية لا تنقل الركاب بعد، يبدو الأمر وكأنه لعبة محفوفة بالمخاطر. غير أن وراء هذه الخطوة حسابات دقيقة: انتزاع حصة في سوق التنقل الجوي الحضري المستقبلي، الذي قد تبلغ قيمته مئات مليارات الدولارات بحلول عام 2035.
الأستاذ جيمس فان، الذي كان من الرواد الذين وضعوا مصطلح eVTOL في عام 2008، يقود الآن مشروعًا في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة. وعلى مدى ثلاث سنوات، صمم فريقه تحت إشرافه وبنى واختبر في ألمانيا أول نماذج سنغافورية أولية — طائرتان بطول ثمانية أمتار وثلاثة أمتار. وأظهرت الاختبارات الانتقال من الإقلاع العمودي إلى الطيران الأفقي، وهذا لم يعد مجرد مخططات، بل قاعدة هندسية حقيقية.
استثمرت سنغافورة 25 مليون دولار من الأموال العامة، لكن إطلاق النسخة التجارية سيتطلب نحو مليار دولار. أرقام كهذه تدفع إلى التساؤل: من سيجني العائد في النهاية — دافعو الضرائب، أم المستثمرون، أم دائرة ضيقة من المتخصصين؟ من الواضح أن الحكومة ترى في المشروع ليس مجرد تقنية، بل وسيلة أيضًا لتثبيت مكانة البلاد كمركز إقليمي لتقنيات الطيران المتقدمة.
جاء فان معه بخبرة عمله في Sikorsky وAgustaWestland، حيث قاد أول مروحية مائلة كهربائية بالكامل في العالم Project Zero. وكان انتقاله إلى الجامعة في عام 2019 جزءًا من استراتيجية استقطاب الخبراء العالميين. وبالنسبة إلى سنغافورة، هذه خطوة كلاسيكية: تحويل رأس المال البشري إلى ميزة اقتصادية طويلة الأمد، بينما تنفق دول أخرى مليارات على شركات ناشئة جاهزة بالفعل.
تخيل بستانيًا يرعى الشتلات سنوات، وهو يعلم أن الثمار لن تظهر قبل عقد من الزمن. وهكذا الحال هنا: الاستثمارات المبكرة في البنية التحتية والكوادر واللوائح التنظيمية قد تمنح سنغافورة ميزة تنافسية حين ينضج سوق eVTOL أخيرًا. أما المستثمرون الخاصون الذين يترقبون هذا الموضوع الآن، فإنهم يخاطرون إما بفوات اللحظة، وإما بالاستثمار مبكرًا جدًا والخسارة بسبب دورة التطوير الطويلة.
الدرس الأهم لمن يفكر في شؤونه المالية الشخصية: الأموال في الابتكار لا تعمل بمبدأ «بسرعة وبكثرة»، بل بمبدأ «بالصبر والاستراتيجية». وتُظهر سنغافورة كيف يمكن لاقتصاد صغير أن يحوّل مشروعًا أكاديميًا إلى أصل وطني، إذا انتقل التركيز من الربح الآني إلى تهيئة الظروف للنمو المستقبلي.
