في عام 2005، كان العالم المالي يعيش حالة من النشوة. فقد كان سوق العقارات في الولايات المتحدة ينمو باطراد، وكانت سندات الرهن العقاري تُعتبر «الكأس المقدسة» للموثوقية، بينما كانت وكالات التصنيف الائتماني تمنح أعلى درجات AAA للأصول السامة. وفي ظل هذه الأجواء، راهن طبيب الأعصاب السابق البالغ من العمر 34 عاماً، والذي لا يملك خلفية تعليمية متخصصة في المالية، ضد النظام المالي العالمي بأسره. وقد ربح الرهان.
قصة مايكل بيري ليست مجرد حكاية عن متداول عبقري، بل هي درس في التحيزات المعرفية والتفكير الجماعي، ولماذا يكلف الإيمان الأعمى بالإجماع السوق دائماً أغلى الأثمان.
من علم الأعصاب إلى صناديق التحوط: مسار غير تقليدي
بحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين 2000، لم يكن اسم مايكل بيري معروفاً بعد لعامة الناس في وول ستريت. كانت خلفيته تثير حيرة خفيفة لدى الماليين التقليديين: فبيري لم يكن حاصلاً على ماجستير في إدارة الأعمال ولم يعمل قط في بنوك استثمارية. لقد كان في الأصل طبيب أعصاب، عمل لفترة طويلة في مستشفى جامعة ستانفورد.
كان بيري يمارس العمل المالي في الأمسيات، بعد نوبات عمل شاقة في العيادة. ومع ذلك، فإن عقليته الطبية، واعتياده على جمع التاريخ المرضي بدقة والتعامل مع مجموعات كبيرة من البيانات المعقدة، تبين أنها الأداة التي كانت تفتقر إليها وول ستريت.
بدأ في نشر تحليلاته الخاصة على منتديات الاستثمار، حيث كان يحلل الشركات من منظور قيمتها الحقيقية لا المعلنة. وسرعان ما اكتسبت ملاحظاته، التي خلت من المصطلحات المصرفية المعتادة لكنها كانت مليئة بالحسابات الرياضية الصارمة، مكانة مرموقة. وبدأ آلاف المستثمرين، وحتى المديرين المحترفين، في متابعة منشوراته.
في عام 2000، وبعد أن أدرك أن شغفه بالبحث عن الأصول المقومة بأقل من قيمتها قد تجاوز كونه مجرد هواية، ترك بيري الطب وأسس صندوق التحوط Scion Capital. بلغ رأس المال الأولي حوالي 1 مليون دولار من أمواله الخاصة. في ذلك الوقت، كان لديه مدخرات ورثها عن والده، كما اقترض أموالاً من عائلته. ولم يتأخرت النتائج؛ إذ تدفقت إليه أموال كبار المستثمرين، بمن فيهم خبير استثمار القيمة جويل غرينبلات، بعد أن أُعجبوا بعوائد الصندوق. وفي غضون بضع سنوات، أصبحت مئات الملايين من الدولارات تحت إدارة بيري.
نهج «المصدر الأول»: ما تجاهله الآخرون
كانت الميزة التنافسية الرئيسية لبيري هي نهجه التحليلي. ففي حين كان معظم مديري وول ستريت يكتفون بقراءة ملخصات تحليلية جاهزة من البنوك الكبرى (والتي تبين لاحقاً أنها كانت تُكتب غالباً «بطلب» من الأقسام الاستثمارية في البنوك نفسها)، كان بيري يغوص إلى مستوى المصادر الأولية.
عندما كان يحلل شركة ما، كان يعكف على دراسة التقارير المالية الخام (نماذج 10-K). ولكن في عام 2005، جذب سوق العقارات انتباهه، فطبق نهجه «الطبي» على وثائق الرهن العقاري. لقد كان يقرأ حرفياً نشرات إصدار مجمعات الرهن العقاري (MBS) والتزامات الديون المضمونة (CDO) — صفحة تلو الأخرى، وسطراً تلو الآخر. وما لم يكن المحللون الآخرون يخصصون له حتى خمس دقائق، كان بيري يدرسه لأسابيع.
وهم الموثوقية والأصول «السامة»
في عام 2005، كانت سندات الرهن العقاري تُعتبر واحدة من أكثر الأصول أماناً في العالم. فقد كانت البنوك تجمع آلاف القروض في مجمعات، وتمنحها وكالات التصنيف الائتماني (Moody's و S&P و Fitch) أعلى تصنيفات الموثوقية، وكان المستثمرون العالميون يتهافتون على شرائها لضمان الحصول على عوائد.
لكن بيري، بعد أن فكك «كبسولات» هذه السندات، رأى مشهداً صادماً؛ إذ كانت جودة الأصول الأساسية (قروض الرهن العقاري نفسها) تتدهور بسرعة.
- انخفاض معايير الاكتتاب: كانت القروض تُمنح بشكل جماعي للمقترضين ذوي الدخل المنخفض، والوظائف غير المستقرة، والتاريخ الائتماني السيئ.
- فخ الفائدة المتغيرة: كانت العديد من القروض ذات هيكل (ARM) أي الرهن العقاري ذي الفائدة القابلة للتعديل. ففي العامين الأولين، كان المقترض يدفع سعر فائدة «تفضيلياً» رمزياً، وبعد ذلك يرتفع السعر فجأة إلى مستوى السوق، مما يجعل القسط الشهري عبئاً لا يطاق.
بنى بيري سلسلة منطقية بسيطة ولكنها قاتلة: ماذا سيحدث إذا توقفت أسعار المساكن عن الارتفاع؟ إذا استقرت الأسعار، فلن يتمكن المقترضون ذوو الفائدة المتغيرة من إعادة تمويل قروضهم (لن يغطي الضمان المبلغ الجديد). وسيبدأون في التخلف عن السداد بشكل جماعي. وهذا يعني أن سندات الرهن العقاري «الخالية من المخاطر»، التي يقوم عليها النظام المالي العالمي بأكمله، ستتحول إلى أوراق بلا قيمة.
الرهان ضد الجميع: معاناة أن تكون محقاً قبل الأوان
بعد أن أدرك بيري حجم الكارثة الوشيكة، واجه مشكلة: السوق لم يكن ينوي الانهيار. كان الاقتصاديون يصرون على أن «سوق العقارات في الولايات المتحدة لم يسبق له أن انهار في وقت واحد في جميع أنحاء البلاد». استمرت البنوك في طباعة وبيع الأوراق المالية السامة.
قرر بيري تأمين السوق ضد التخلف عن السداد. ولهذا بدأ في شراء مقايضات التخلف عن سداد الائتمان (عقود CDS) المرتبطة بسندات الرهن العقاري عالية المخاطر (subprime). في جوهرها، تُعد عقود CDS بمثابة تأمين: كان بيري يدفع للبنوك قسطاً بانتظام، وفي حالة تخلف مُصدر السندات عن السداد، كان البنك ملزماً بتعويضه عن خسائره.
كانت المشكلة تكمن في أن الفقاعة استمرت في التضخم. كان صندوق Scion Capital يحرق عشرات الملايين من الدولارات شهرياً لدفع أقساط التأمين. وبدا الأمر من الخارج وكأنه انتحار مالي.
بدأت ثورة المستثمرين. كان العملاء، بمن فيهم جويل غرينبلات، في حالة غضب عارم. طالبوا باسترداد أموالهم، متهمين بيري بالتهور وفقدان السيطرة. كان الضغط النفسي هائلاً: أن تكون محقاً في السوق وأن تكون محقاً في الوقت المناسب — هما أمران مختلفان تماماً. فالدخول المبكر جداً في صفقة دون رافعة مالية وحدود كان من الممكن أن يؤدي إلى إفلاس الصندوق قبل وقت طويل من تحول السوق.
انهيار الأوهام وانتصار المنطق
أثمر صبر بيري وأعصابه الفولاذية. فبدءاً من 2006-2007، انتهت فترات «السماح» للرهون العقارية. ارتفعت المدفوعات، وبدأت أسعار المساكن، بعد أن بلغت ذروتها، في الانخفاض. وأصبحت حالات التخلف عن السداد الجماعي للرهون العقارية عالية المخاطر حقيقة واقعة.
انهارت قيمة سندات الرهن العقاري. أما مقايضات التخلف عن سداد الائتمان (عقود CDS)، التي اشتراها بيري بأسعار زهيدة، فقد ارتفعت قيمتها بنسبة آلاف بالمئة. ووجدت البنوك التي باعت له «التأمين» نفسها مدينة له بمليارات الدولارات.
ونتيجة لذلك، حقق صندوق Scion Capital أرباحاً بلغت حوالي 700 مليون دولار، وحصل مستثمرو الصندوق على أرباح بقيمة تقارب 2.7 مليار دولار. لم يكتفِ بيري بإنقاذ رؤوس أموال عملائه فحسب، بل حقق أرباحاً من انهيار أحد أكبر الأنظمة المالية في تاريخ البشرية.
الإرث: «لم أتنبأ بشيء»
أصبحت قصة مايكل بيري نموذجاً يُحتذى به، حيث خصص لها الصحفي مايكل لويس كتاباً من الأكثر مبيعاً بعنوان «The Big Short»، وفي عام 2015 صدر فيلم يحمل الاسم نفسه وحاز على جائزة الأوسكار، حيث لعب كريستيان بيل دور العبقري غريب الأطوار بيري ببراعة.
أما مايكل بيري نفسه، الذي أصبح بعد ذلك أيقونة للمستثمرين المخالفين للتيار السائد، فقد كان دائماً متشككاً في وصف «المتنبئ بالأزمات».
قال بيري لاحقاً: «لم أعتقد قط أنني تنبأت بالأزمة، بل قمت ببساطة بدراسة البيانات التي كانت متاحة بالفعل للسوق. كانت كل المعلومات واضحة للعيان، لكن معظم المشاركين في السوق فضلوا عدم الالتفات إليها لأن الحقيقة كانت مزعجة للغاية، بينما كان الإجماع مريحاً جداً».
الدرس الرئيسي من قصة مايكل بيري لا يكمن في كيفية البحث عن الأصول المقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، بل يكمن درسه في أن التحليل الأساسي الحقيقي يتطلب الاستعداد للبقاء في الأقلية. فعندما يكون الجميع واثقين من أن السوق سيستمر في النمو إلى الأبد، فإن الشخص الذي يقرأ المصادر الأولية بدلاً من آراء الآخرين هو من يحصد المكاسب في النهاية.


