ماذا لو كانت الموسيقى قادرة على انتظار مستمعها؟
ليس لسنوات. ولا لقرون. بل لألفية كاملة.
ثم تعود لتصدح من جديد ذات يوم.
هذا بالضبط ما تمخض عنه المشروع البحثي الأوروبي REPERTORIUM، الذي انطلق رسمياً في 1 يناير 2023 في إطار برنامج Horizon Europe.
اسم المشروع هو اختصار لـ Researching and Encouraging the Promulgation of European Repertory through Technologies Operating on Records Interrelated Utilising Machines — أي البحث في التراث الموسيقي الأوروبي والحفاظ عليه باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
على مدى ثلاث سنوات، جمع فريق دولي من الباحثين من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وفنلندا وهولندا وليتوانيا والمملكة المتحدة نخبة من علماء الموسيقى والمؤرخين وخبراء الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
كان هدفهم غير مألوف.
ليس تأليف موسيقى جديدة.
بل مساعدة العالم المعاصر على سماع تلك الموسيقى التي كادت أن تندثر من الذاكرة الثقافية.
شكلت المجموعة الفريدة Atelier de Paléographie Musicale — ورشة الباليوغرافيا الموسيقية التابعة لدير Solesmes في فرنسا.
لأكثر من مئة عام، عكف الرهبان البندكتيون على جمع وتصوير المخطوطات الموسيقية التي تعود للعصور الوسطى من المكتبات في جميع أنحاء أوروبا. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المجموعة إلى واحد من أهم أرشيفات الغناء الغريغوري؛ وهو تقليد موسيقي ترك أثراً بالغاً في تطور الثقافة الأوروبية.
بيد أن دراسة مثل هذا الأرشيف يدوياً تكاد تكون مستحيلة.
وهنا تحديداً برز دور التقنيات الحديثة.
فباستخدام أساليب المعالجة الرقمية للصور، والتعرف الضوئي على التدوين الموسيقي القديم، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، قام الباحثون برقمنة عشرات الآلاف من صور المخطوطات، وأنشأوا منصة رقمية مفتوحة Medieval Music Manuscripts Online (MMMO). وبفضل ذلك، أصبحت آلاف المصادر التي تعود للعصور الوسطى متاحة للباحثين في جميع أنحاء العالم، كما جرى تصنيف وتحديد العديد من الترانيم المنسية لأول مرة.
غير أن النتيجة الأهم للمشروع لم تكن التقنيات على الإطلاق.
في يناير 2025 وفي Cathedral of Salamanca، صدحت لأول مرة في العصر الحديث ترانيم غريغورية، يقدر الباحثون أنها ربما ظلت صامتة لأكثر من ألف عام.
أدت هذه الترانيم فرقة Schola Antiqua بقيادة خوان كارلوس أسينسيو بالاسيوس، وهو أحد كبار المتخصصين في موسيقى العصور الوسطى.
ولاحقاً، في 21 نوفمبر 2025، صدرت هذه الأعمال في ألبوم مزدوج بعنوان Beatæ Mariæ: Canto llano en la Catedral de Salamanca.
وهكذا، عادت الموسيقى التي لم توجد لقرون طويلة إلا في المخطوطات القديمة، لتصبح من جديد جزءاً من الفضاء الثقافي الحي.
ومع أن المشروع نفسه قد انتهى في نهاية 2025، إلا أن قصته لا تزال مستمرة.
واليوم، تتوفر جميع المواد المرقمنة ونتائج الأبحاث على منصة مفتوحة Medieval Music Manuscripts Online (MMMO)، التي تدعمها DIAMM (Digital Image Archive of Medieval Music) التابعة لجامعة أكسفورد. ويتيح ذلك للموسيقيين والباحثين وجميع المهتمين بموسيقى العصور الوسطى العمل بحرية مع المصادر التاريخية الفريدة.
ويجعلنا هذا البحث ننظر بمنظور جديد إلى دور الذكاء الاصطناعي.
فغالبا ما نتحدث عنه كأداة لابتكار كل ما هو جديد.
ولكنه في هذه الحالة لعب دورا مختلفا.
ليس دور الملحن، ولا دور المؤلف، بل دور المرمم للذاكرة الثقافية.
ماذا أضاف هذا الحدث إلى أصوات كوكبنا؟
خلف كل خوارزمية جديدة، غالبا ما لا نرى سوى التكنولوجيا. ولكن التكنولوجيا تصبح أحيانا جسرا؛ ليس بين الإنسان والآلة، بل بين الماضي والحاضر.
لقد أظهر مشروع REPERTORIUM أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر فقط على القدرة على ابتكار الجديد.
بل يمكنه مساعدة الإنسان على سماع ما أُبدع بالفعل منذ قرون مضت.
ولعل الاكتشاف الأكثر دهشة لا يكمن في الذكاء الاصطناعي على الإطلاق.
بل في الموسيقى ذاتها. فقد بقيت بعد رحيل مؤلفيها، وعاشت عبر العصور، وصمدت لقرون.
وطوال هذا الوقت، كانت كأنها تنتظر اللحظة التي تُسمع فيها من جديد.
وإذا كانت الموسيقى قادرة حقا على انتظار مستمعها مئات السنين...
فأي أصوات أخرى من الماضي لا تزال تنتظر اللحظة التي نتعلم فيها كيف نصغي إليها؟



