أنت لا ترى الواقع، بل تصنعه

الكاتب: Irena II

أنت لا ترى الواقع، بل تصنعه-1

يُظهر بحث جديد أن الدماغ يعيد صياغة الإشارة الواردة حتى قبل أن نتمكن من إدراكها، وهو أمر تنبأت به الفيزياء الكمية منذ زمن بعيد.

تخيل أنك تنظر إلى تفاحة حمراء. ينعكس الضوء عن سطحها، ويصل إلى عينك، وتنتقل الإشارة عبر الأعصاب إلى الدماغ، فترى التفاحة. يبدو الأمر بسيطاً ودقيقاً آلياً. ولكن بين لحظة وصول الإشارة ولحظة إدراكك لها، يحدث شيء غير متوقع؛ إذ يأخذ الدماغ هذه الإشارة ويمررها عبر كل ما تؤمن به بالفعل. إن قناعاتك، ومزاجك، وخبرتك، ودرجة ثقتك أو شكك، كل هذا يغير البيانات الواردة مادياً حتى قبل أن تدركها. وما يدخل مرحلة الإدراك ليس هو نفس الإشارة التي جاءت من العين. وهذا بالضبط ما يثبته بحث جديد نُشر مؤخراً في مجلة Scientific Reports التابعة لدار النشر Nature.

لقد طور مؤلفا العمل، يوهان هورن وجوني هو من جامعة هونغ كونغ المتعددة التقنيات، نموذجاً رياضياً يصف المراقب كجزء لا يتجزأ من نظام الإدراك نفسه. ليس كمشاهد خارجي ينظر إلى الواقع من الخارج، بل كمشارك تتشابك حالته الداخلية حرفياً مع ما يلاحظه. في نموذجهما، تتفاعل المعلومات الحسية وحالة المراقب وفقاً للقوانين نفسها التي تحكم الأنظمة الكمية؛ فهي تتشابك وتتطور معاً، ثم تنهار بعد ذلك فقط لتتحول إلى ما نسميه إدراكاً. وبعبارة أخرى، فإن ما تراه ليس مجرد إشارة من العالم الخارجي، بل هو نتيجة لقاء هذه الإشارة بك.

هذه ليست استعارة فلسفية، بل هي رياضيات، ولها نتائج ملموسة تماماً. فالمشكك والمؤمن، عند نظرهما إلى الظاهرة نفسها، يتلقيان في دماغيهما إشارات مختلفة حرفياً؛ ليس لأن أحدهما على خطأ، بل لأن حالتيهما الداخليتين تحولان البيانات الواردة بشكل مختلف. فالشخص في حالة القلق والشخص في حالة الطمأنينة يدركان الغرفة نفسها بشكل مختلف، وهذا ليس علماً للنفس، بل هو فيزياء. والأهم من ذلك، يوضح المؤلفان أن ذاتية الإدراك ليست عيباً في المراقب ولا خطأً في القياس، بل هي نتيجة جوهرية لكون المراقب والمُلاحَظ لا ينفصلان.

لقد عرفت الفيزياء الكمية هذا منذ زمن طويل. فمنذ اكتشافه، وضع «تأثير المراقب» الشهير — وهو أن القياس يغير النتيجة — الفيزيائيين في حيرة من أمرهم. فالجسيم قبل القياس يوجد في جميع الحالات الممكنة في آن واحد، وفعل الملاحظة يجبره على اختيار حالة واحدة. وقد أطلق الفيزيائي جون ويلر على هذا اسم «الكون المشارك»؛ فالمراقبون ليسوا مشاهدي الواقع، بل هم مؤلفوه المشاركون. ويمنح العمل الجديد لعام 2026 هذه الفكرة لأول مرة إطاراً رياضياً صارماً مطبقاً على الإدراك البشري. فالدماغ ليس كاميرا تسجل العالم بموضوعية، بل هو مراقب كمي يشارك في كل ثانية في صنع الواقع الذي يدركه. نحن لا ننظر إلى العالم، بل نكمله.

77 مشاهدات

المصادر

  • Источник: Hoorn, J.F. & Ho, J.K.W. — Observer effect modulates classification in a quantum epistemic framework. Scientific Reports, апрель 2026. DOI: 10.1038/s41598-026-46604-9

التعليقات

اقرأ المزيد من المقالات حول هذا الموضوع:

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.