في 29 أغسطس 2026، شهدت آيسلندا استفتاءً تاريخياً حول استئناف مفاوضات انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي. وفقاً للبيانات النهائية، أيد المبادرة 47.2% فقط من الناخبين، بينما صوت ضدها 52.8%. بلغت نسبة المشاركة في التصويت مستوى مرتفعاً للغاية ووصلت إلى 82.5%، متجاوزة بذلك نسب المشاركة في آخر انتخابات برلمانية.
ديناميكية الفرز: من التفاؤل في العاصمة إلى التشكيك في الريف
كما توقع علماء الاجتماع، كان التنافس شديداً، وشهدت عملية فرز الأصوات تطوراً دراماتيكياً. فور إغلاق مراكز الاقتراع في الساعة 22:00 بالتوقيت المحلي، أظهرت النتائج الأولية من العاصمة ريكيافيك تقدماً واضحاً لمؤيدي التكامل الأوروبي (حتى 58% لصالح خيار «نعم»). وأعرب مؤيدو الانضمام عن تفاؤل حذر، عازين ذلك إلى الإقبال الكبير من سكان المدن.
لكن بعد منتصف الليل تغير المشهد جذرياً عندما بدأت تصل بيانات من المناطق الريفية والساحلية. في هذه الدوائر، حيث تتجذر قوة المشككين في أوروبا تاريخياً، سُجل تفوق كبير لصالح رفض استئناف المفاوضات:
- الدائرة الشمالية الغربية: 62.9% ضد؛
- الدائرة الشمالية الشرقية: 61.2% ضد؛
- الدائرة الجنوبية: 60.5% ضد.
في حين حصل خيار «نعم» في ريكيافيك (الشمال والجنوب) على 57.5% و54.5% على التوالي، لم تكن أصوات العاصمة كافية لتحقيق التفوق العام. وبحلول الصباح، استولى معسكر «لا» على زمام المبادرة واحتفظ به حتى الفرز النهائي للأصوات.
السبب الرئيسي: «السمك أهم من بروكسل»
كان العامل الحاسم الذي حدد نتيجة التصويت هو مسألة السيطرة على الموارد السمكية. يوفر قطاع صيد الأسماك حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي لآيسلندا وما يقرب من 40% من صادراتها، وهو يشكل أساس الاقتصاد الوطني والهوية.
كانت العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي تتطلب الخضوع للسياسة المشتركة لمصايد الأسماك، التي تنص على توزيع حصص الصيد بين الدول الأعضاء ورقابة صارمة من بروكسل. على الرغم من محاولات الحكومة إقناع الناخبين بأن ريكيافيك قادرة على التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن شروط خاصة والحفاظ على السيطرة الوطنية على المياه، لم تلق هذه الحجج صدى. وفقاً لاستطلاعات الرأي قبل الانتخابات، عارض حوالي 90% من الشركات المرتبطة بقطاع الصيد بشدة استئناف المفاوضات.
لماذا كان الوضع الراهن أفضل
يلاحظ المحللون أن الشكل الحالي للعلاقات مع أوروبا هو الأمثل بالنسبة لمعظم الآيسلنديين. آيسلندا بالفعل عضو في المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA) واتفاقية شنغن. وهذا يمنح البلاد:
- وصولاً شبه كامل إلى السوق الأوروبية الموحدة؛
- المشاركة في البرامج الرئيسية (Erasmus، Horizon، نظام تداول حصص الانبعاثات)؛
- حرية تنقل المواطنين.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ ريكيافيك بسيادة كاملة في مسائل الصيد والزراعة، التي استُبعدت عمداً من اتفاقية المنطقة الاقتصادية الأوروبية. في الواقع، قامت آيسلندا بالفعل بتكييف حوالي 75% من قوانينها مع معايير الاتحاد الأوروبي، دون أن يكون لها حق التصويت عند اعتمادها. وكما صرحت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير، فقد أكد المواطنون باختيارهم أنهم راضون تماماً عن الترتيبات القائمة.
السياق التاريخي والآثار السياسية
تقدمت آيسلندا بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأول مرة في عام 2009 على خلفية الأزمة المالية الحادة، لكن المفاوضات تجمدت في عام 2013 بعد وصول ائتلاف من المتشككين في أوروبا إلى السلطة. وقد أعادت الحكومة الحالية (يسار الوسط) هذه القضية إلى جدول الأعمال، بحجة ضرورة تعزيز مكانة البلاد في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي المتزايد.
على الرغم من أن الاستفتاء استشاري، فقد أعلنت الحكومة رسمياً أنها تحترم خيار الشعب. هذه النتيجة تزيل عملياً موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الأجندة السياسية الداخلية لآيسلندا على الأقل في السنوات القادمة.
وبالنسبة لبروكسل، كان هذا القرار تذكيراً آخر بأنه حتى في البلدان ذات المستوى المعيشي المرتفع (الناتج المحلي الإجمالي للفرد حوالي 84 000 يورو) والعلاقات الاقتصادية الوثيقة، فإن فكرة التكامل السياسي العميق قد تخسر أمام الرغبة البراغماتية في الحفاظ على السيادة الوطنية على القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
