تخيل أنك تنظر إلى سماء الليل ولا ترى سوى السواد؛ فراغاً مثالياً ومطلقاً بين النجوم. يبدو وكأنه لا يوجد شيء هناك على الإطلاق: لا جسيمات، ولا مجال، ولا بنية. مجرد فراغ. ولكن قبل تسعين عاماً من تمكن أي شخص من التحقق من ذلك، صرح فيرنر هايزنبرغ بعكس ذلك: للفراغ شكل. كل ما يتطلبه الأمر هو مجال مغناطيسي قوي بما يكفي لرؤيته.
في عام 2026، تأكد هذا التنبؤ أخيراً. نشر فريق من علماء الفيزياء الفلكية بقيادة رايتشل ستيوارت (George Washington University)، بالتعاون مع Rice University وNASA Goddard Space Flight Center، نتائج رصد النجم المغناطيسي 1E 1547.0-5408 في مجلة Nature؛ وهو نجم نيتروني فائق المغناطيسية يبعد آلاف السنين الضوئية عن الأرض. وباستخدام تلسكوب الأشعة السينية IXPE، رصدوا ما يسميه الفيزيائيون «الانكسار المزدوج للفراغ»: انحناء الضوء واستقطابه بواسطة الفضاء نفسه، وليس بواسطة المادة التي يمر عبرها.
تم التنبؤ بهذا التأثير في وقت مبكر من عام 1936 من قبل فيرنر هايزنبرغ وهانز أويلر في إطار الديناميكا الكهربائية الكمية؛ وهي النظرية التي تصف كيفية تفاعل الضوء والمادة على المستوى الأكثر جوهرية. أكدت حساباتهما الرياضية أنه إذا كان المجال المغناطيسي قوياً بما يكفي، فإن الفراغ يتوقف عن كونه خلفية سلبية؛ إذ يبدأ في التصرف كوسط بصري - مثل قطعة من الزجاج أو البلور - حيث يكسر الضوء بطرق مختلفة اعتماداً على اتجاه استقطابه. كانت المشكلة تكمن في أنه لا يوجد مختبر على وجه الأرض يمكنه إنشاء مجال بالقوة المطلوبة؛ فأقوى المغناطيسات الأرضية لا تصل إلى العتبة المطلوبة بمقدار مئة مليون مرة.
النجوم المغناطيسية هي المكان الوحيد المعروف في الكون حيث تكون الظروف مناسبة. إنها نجوم نيترونية ذات مجالات مغناطيسية شديدة لدرجة أنها قادرة على تشويه البنية الكمية للفضاء نفسه من حولها. وقد تبين أن 1E 1547.0-5408 هدف ناجح بشكل خاص؛ فهي لا تبعث إشعاعات سينية ساطعة فحسب، بل تدور أيضاً بسرعة وانتظام كافيين لتمكين علماء الفلك من تتبع التغيرات في الاستقطاب مع دوران النجم.
تجاوزت النتائج التوقعات. فقد سجل العلماء درجة استقطاب للأشعة السينية تصل إلى 80% في بعض أجزاء الدوران و40% في أجزاء أخرى، وهو ما تبين أنه أعلى بثلاثة أضعاف تقريباً مما توقعه النموذج الهندسي البسيط للمجال المغناطيسي للنجم. ووفقاً للحسابات، كان من المفترض أن يكون الاستقطاب قريباً من الصفر في بعض نقاط الدوران، لكن الفضاء المحيط بالنجم المغناطيسي كان له رأي آخر.
هذا ليس مجرد فضول فلكي؛ فالانكسار المزدوج للفراغ هو نتيجة مباشرة لما تقوله الديناميكا الكهربائية الكمية عن طبيعة الفراغ: الفراغ يعج بأزواج افتراضية من الإلكترونات والبوزيترونات، تومض وتختفي في أجزاء ضئيلة من الثانية. وفي ظل وجود مجال مغناطيسي قوي بما يكفي، تترتب هذه الجسيمات العابرة، مما يمنح الفضاء الفارغ اتجاهاً، وبالتالي القدرة على التحكم في الضوء.
وهكذا يتوقف الفضاء عن كونه مجرد مسرح تقع عليه الأحداث، بل يصبح مشاركاً فيها. وبعد تسعين عاماً من تدوين هايزنبرغ لذلك في معادلاته، أكد نجم بعيد أخيراً أن الفراغ ليس عدماً؛ بل يحتاج فقط إلى ضغط كافٍ ليظهر حقيقة جوهره.

