في عالم لم تعد فيه كلمات المرور درعًا موثوقًا به، تحولت ملفات النص الصغيرة — cookies — إلى الغنيمة الكبرى لمجرمي الإنترنت. ووفقًا لبيانات الخبراء، يتم تداول مليارات ملفات تعريف الارتباط المسروقة في السوق السوداء، مما يتيح للمهاجمين تجاوز كلمات المرور والمصادقة الثنائية، والاستيلاء مباشرة على جلسات المستخدمين النشطة.
تخزن ملفات تعريف الارتباط تقليديًا معلومات تسجيل الدخول: معرف الجلسة، والتفضيلات، والرموز المؤقتة. وعندما يستولي المهاجم على مثل هذا الملف، يمكنه محاكاة مستخدم شرعي دون الحاجة إلى إدخال كلمة مرور أو رمز تأكيد. ويعد هذا الأمر خطيرًا بشكل خاص على الخدمات المؤسسية والمالية، حيث تظل الجلسة نشطة لساعات أو أيام.
تظهر الأبحاث أن ملفات تعريف الارتباط أصبحت أكثر قيمة من كلمات المرور في أسواق الإنترنت المظلم (darknet)؛ إذ تُباع في مجموعات، ويمكن أن يصل سعر ملف تعريف ارتباط واحد «حي» لخدمة مشهورة إلى عدة دولارات. ويبدو أن التسريبات تحدث عبر البرمجيات الخبيثة، ومواقع التصيد، والثغرات في المتصفحات أو الإضافات. ويشير الخبراء إلى أن آليات الحماية الحديثة، مثل علامات HttpOnly وSecure، لا تنقذ الموقف دائمًا إذا سُرق ملف تعريف الارتباط بالفعل من جانب العميل.
يتفاقم الوضع بسبب الحجم الهائل؛ فوفقًا لتقديرات أولية، يدور الحديث عن مليارات الملفات المخترقة التي تُستخدم بنشاط في هجمات جماعية. وغالبًا لا يلاحظ المستخدمون المشكلة إلا عندما يواجهون معاملات غير مصرح بها أو تغييرات في الحساب؛ وهذا يؤكد مفارقة الأمن الرقمي: فكلما أصبح الوصول عبر الإنترنت أكثر راحة، أصبحنا أكثر عرضة للسرقات الهادئة وغير المرئية.
تحاول الشركات والجهات التنظيمية الاستجابة؛ إذ تتبنى المتصفحات سياسات SameSite أكثر صرامة، وتنتقل الخدمات إلى الرموز قصيرة العمر والتدوير المنتظم للجلسات. ومع ذلك، تقع المسؤولية جزئيًا على عاتق المستخدمين؛ فالمسح المنتظم لملفات تعريف الارتباط، واستخدام مديري كلمات المرور الذين يدعمون passkeys، والحذر عند تثبيت الإضافات، يمكن أن يقلل من المخاطر. وكما يقول المثل القديم: «الوقاية خير من العلاج».
في نهاية المطاف، يذكرنا هذا التهديد بأن الهوية الرقمية اليوم موزعة بين العديد من شظايا البيانات الصغيرة، وفقدان السيطرة على أي منها قد يكلف غاليًا.

