لقد عشنا لعقود في أسر «الإدمان على كلمات المرور». كنا نبتكر تركيبات معقدة، وندونها في دفاتر الملاحظات، ونستعيدها عبر البريد الإلكتروني ثم ننساها مرة أخرى. لكن عام 2026 كان اللحظة التي بدأت فيها هذه الروتينات المرهقة تصبح جزءاً من الماضي بسرعة كبيرة.
لقد خطى قطاع الأمن خطوة حاسمة نحو مفهوم passwordless (المصادقة بدون كلمة مرور). مفاتيح المرور، أو passkeys، أصبحت معياراً جديداً للتطبيقات المصرفية والبوابات الحكومية. الجوهر بسيط: بدلاً من إدخال رمز سري يمكن سرقته عبر موقع تصيد، ينشئ جهازك زوجاً تشفيرياً فريداً. يُخفى المفتاح الخاص بشكل آمن داخل هاتفك الذكي أو حاسوبك، ويتم تأكيد تسجيل الدخول عبر القياسات الحيوية، مثل بصمة الإصبع أو مسح الوجه.
لماذا يعد هذا أمراً مهماً في الوقت الحالي تحديداً؟
أولاً، هذا يجعل التصيد الاحتيالي، وهو الآفة الرئيسية للإنترنت الحديث، عديم الفائدة عملياً. فحتى لو أنشأ المهاجم نسخة مثالية من موقع البنك، فلن يجد ما يسرقه. فكلمة المرور ببساطة غير موجودة.
ثانياً، أقرت الجهات التنظيمية حول العالم (من الإمارات العربية المتحدة إلى دول الاتحاد الأوروبي) هذا العام متطلبات الانتقال إلى طرق تسجيل دخول مقاومة للتصيد الاحتيالي. وبالنسبة للبنوك، لا يعني هذا زيادة الأمان فحسب، بل يعني أيضاً توفيراً هائلاً في تكاليف الدعم؛ إذ بدأت طلبات «إعادة تعيين كلمة المرور المنسية» تتلاشى تدريجياً من تقارير أقسام تكنولوجيا المعلومات.
إننا ننتقل إلى «الثقة الصفرية» (Zero Trust). فالنظام لم يعد يثق بمجرد معرفتك لـ «الكلمة السرية»، بل يقيم مجموعة من العوامل: جهازك، وسلوكك، وتأكيد القياسات الحيوية. وفي المستقبل، سيؤدي ذلك إلى خلق «أمن غير مرئي»، حيث تعمل حماية البيانات في الخلفية دون أن تتطلب من المستخدم أي إجراءات إضافية.
هل ينبغي القلق بشأن الخصوصية عندما تصبح القياسات الحيوية هي المفتاح لكل شيء؟ هنا أيضاً خطت التكنولوجيا خطوات واسعة؛ إذ لا تُنقل بياناتك الحيوية إلى خوادم البنوك، بل تظل في وحدة محمية داخل جهازك الشخصي. ولا يتلقى الخادم سوى تأكيد بأن «صاحب الجهاز هو أنت».
هذه بداية حقبة يتوقف فيها الأمن عن كونه عبئاً على المستخدم. فما رأيكم، هل نحن مستعدون للثقة الكاملة بخوارزميات القياسات الحيوية للوصول إلى أموالنا، إذا كان ذلك سيخلصنا للأبد من ضرورة تذكر العشرات من كلمات المرور؟


