لماذا تستمر الأعمال الفنية المألوفة في الكشف عن أبعاد جديدة

الكاتب: Irina Davgaleva

لماذا تستمر الأعمال الفنية المألوفة في الكشف عن أبعاد جديدة-1

تساعد أبحاث الدماغ والممارسات المتحفية الحديثة وأكبر المعارض العالمية في فهم سبب قدرة الأعمال الفنية المألوفة على كشف تفاصيل ومعانٍ جديدة طوال الحياة.

في السنوات الأخيرة، بدأت المتاحف الكبرى والمعارض الدولية تلتفت بشكل متزايد إلى موضوع يتجاوز حدود تاريخ الفن، وهو كيفية تطور قدرة الإنسان على رؤية العمل الفني.

المشروع الجانبي لبينالي البندقية الـ 61 Aghrab Idrāk: Thresholds of Perception («عتبات الإدراك»)، وبرنامج Slow Looking في Museum of Modern Art (MoMA)بنيويورك، والمبادرات التعليمية لـ Harvard Art Museums والعديد من المشاريع الأخرى، كلها تبحث في السؤال ذاته: لماذا يستطيع عمل فني مألوف أن يكشف بمرور الوقت عن تفاصيل وروابط ومعانٍ جديدة.

ما يجمع بينها ليس الأسلوب الفني ولا تقنية التنفيذ، بل يصبح موضوعها المشترك هو عملية الملاحظة ذاتها. يُدعى الزائر لقضاء وقت أطول بجانب العمل، وتغيير زاوية الرؤية، والعبور من خلال مساحة العرض، والعودة إلى ما رآه مرة أخرى؛ ليس بحثاً عن تفسير واحد صحيح، بل من أجل ملاحظة المزيد تدريجياً.

أجواء المعرض من VCUarts Qatar

ويُعد مشروع Aghrab Idrāk: Thresholds of Perceptionأحد أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام اليوم، وقد قُدّم ضمن إطار بينالي البندقية الـ 61 في Palazzo Cavanis. يجمع المعرض فنانين يستكشفون خصائص الإدراك البشري من خلال العمارة والضوء والمنسوجات والخط والتجهيزات الفراغية. لا يمكن الإحاطة بالعديد من الأعمال بنظرة واحدة، فهي تتكشف تدريجياً مع حركة المشاهد وتغير الإضاءة والوقت الذي يقضيه بجوار العمل.

ويتطور نهج مماثل في المتاحف الرائدة حول العالم.

في MoMA برنامج Slow Looking يقترح التخلي عن المشاهدة السريعة المعتادة للمعروضات وقضاء بضع دقائق بجوار عمل فني واحد فقط. وخلال هذا الوقت، يبدأ الزوار في ملاحظة الإيقاعات التكوينية، وتفاعل الألوان، والقوام، وانعكاسات الضوء، والتفاصيل التي عادة ما تظل غير مرئية عند المعاينة الأولى.

جلسة توجيهية للتأمل البطيء من IMMA (Irish Museum of Modern Art) تُظهر كيف ننظر إلى العمل الفني ببطء، مع الانتباه إلى التفاصيل والأنسجة والعواطف والارتباطات الشخصية.

في Harvard Art Museums البرامج التعليمية The Art of Looking و Artful Thinking، التي طُوِّرت بالتعاون مع مركز الأبحاث Project Zero التابع لكلية هارفارد للدراسات العليا في التربية، لا تقوم على تفسيرات جاهزة للأعمال الفنية، بل على طرح الأسئلة. إذ يُطلب من المشاركين أولاً وصف ما يلاحظونه بأنفسهم، ثم مقارنة ملاحظاتهم مع المشاركين الآخرين، وفقط بعد ذلك الانتقال إلى السياق التاريخي للعمل.

فيديو من جامعة هارفارد يشرح لماذا الفن مهم في تدريب الأطباء المستقبليين.

يساعد هذا النهج في تطوير قوة الملاحظة، والقدرة على رصد العلاقات المتبادلة، وتقديم الحجج لاستنتاجاتهم الخاصة. وليس من قبيل الصدفة أن تُستخدم مثل هذه المنهجيات ليس فقط في التعليم الفني، بل أيضاً في تدريب طلاب كلية الطب بجامعة هارفارد، حيث ترتبط دقة الملاحظة البصرية ارتباطاً مباشراً بتشخيص المرضى في المستقبل.

ومن المثير للاهتمام أن مثل هذه الممارسات المتحفية أصبحت تتلقى تأكيداً متزايداً من خلال أبحاث الدماغ الحديثة.

يوضح علماء الأعصاب أن الدماغ يقوم باستمرار بتصفية تدفق هائل من المعلومات البصرية، ولا يختار سوى جزء صغير منها للمعالجة الواعية. أما التفاصيل الأخرى فلا تختفي، لكنها قد تظل خارج نطاق انتباهنا، على الرغم من أنها تقع مباشرة أمام أعيننا. ولهذا السبب تحديداً، أصبحت آليات الانتباه والإدراك الواعي اليوم في صميم أبحاث كل من علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي. ولعلها ليست صدفة أن الفن المعاصر يتناول هذه الأسئلة بشكل متزايد، مستكشفاً ليس فقط العمل الفني، بل عملية الرؤية البشرية ذاتها.

ولهذا السبب تحديداً، لا يمكن اعتبار القدرة على ملاحظة العلاقات المعقدة ثابتة. فهي تتطور مع الخبرة والمعرفة والسياق الثقافي والوقت الذي يكون المرء مستعداً لتكريسه للملاحظة.

تُظهر أبحاث أحد مؤسسي علم الجمال العصبي، البروفيسور سيمير زيكي، وكذلك الأعمال الحديثة في مجال Slow Looking (المشاهدة المتأنية) أن تأمل الأعمال الفنية لفترة أطول وبتركيز أكبر يعزز الاندماج العاطفي ويساعد في اكتشاف روابط بصرية جديدة. يظل العمل الفني ثابتاً، غير أن عمق إدراكه يزداد ثراءً تدريجياً.

ولعل هذا هو السبب في أن العديد من الأعمال الفنية ترافق الإنسان طوال حياته. فبالعودة إليها بعد سنوات، يمكن للمرء أن يكتشف فجأة تفاصيل في التكوين، أو رموزاً، أو علاقات لونية، أو ظلالاً عاطفية كانت في السابق غير ملحوظة. إن المعارف الجديدة، وخبرات الحياة، والملاحظة الأكثر دقة، توسع تدريجياً ما يستطيع الإنسان رؤيته.

ويستكشف الفن المعاصر هذه العملية بشكل متزايد. إذ يبدع الفنانون أعمالاً ومساحات عرض لا تسعى للكشف عن مكنوناتها دفعة واحدة، بل تتيح للعين التحرك بحرية، والعودة، والتوقف عند التفاصيل، واكتشاف طبقات جديدة من العمل الفني تدريجياً.

ولعل هذا هو السبب في أن أفضل البرامج المتحفية في العالم اليوم باتت ترافق الزوار بأسئلة مفتوحة بدلاً من الإجابات الجاهزة. فهي تساعدهم ليس على البحث عن تفسير واحد صحيح للعمل، بل على تطوير القدرة على ملاحظة التفاصيل والترابطات والمعاني التي تثير اهتماماً شخصياً وتلهمهم لمواصلة الاستكشاف.

إن مثل هذه التجربة تغير تدريجياً طريقة التفاعل مع الفن ذاتها. فتصبح زيارة المتحف ليست بحثاً عن تأويل صحيح، بل فرصة لرؤية أكثر مما كان ممكناً في السابق. وربما يكمن في هذا أحد أكثر التوجهات إثارة للاهتمام في الفن المعاصر: فهو لا يستكشف الأعمال الفنية فحسب، بل عملية الرؤية البشرية ذاتها؛ تلك العملية التي تستمر في التطور طوال الحياة.

46 مشاهدات

المصادر

  • VCUarts Qatar — Aghrab Idrāk: Thresholds of Perception (Венецианская биеннале 2026)

  • MoMA — Slow Looking

  • Harvard Art Museums — The Art of Looking

التعليقات

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.