الفن بوصفه توسيعاً للإدراك: ما تكشفه الدراسات الجديدة حول التجربة الإنسانية

الكاتب: Irina Davgaleva

الفن بوصفه توسيعاً للإدراك: ما تكشفه الدراسات الجديدة حول التجربة الإنسانية-1

على مدى عقود، حاول الباحثون فهم السبب وراء اعتبارنا لبعض الأعمال جميلة أو مؤثرة أو جذابة جمالياً، بينما نرى أعمالاً أخرى معقدة أو مقلقة أو غريبة أو حتى منفرة. واليوم، بات علم الجمال العصبي — وهو مجال يقع عند تقاطع علوم الأعصاب وعلم النفس وتاريخ الفن — ينظر بشكل متزايد إلى هذه التجارب، من البهجة إلى عدم الارتياح، كأجزاء من طيف واحد للتجربة الجمالية.

لم يعد السؤال الرئيسي في علم الجمال العصبي اليوم هو «ما هو الجميل؟»، بل «ماذا يحدث للإنسان أثناء لقائه بالعمل الفني؟».

وتأتي الإجابات أعمق بكثير من مجرد الاستمتاع بالتأمل.

الفن يبدأ بالانتباه

نُشرت واحدة من أكثر الدراسات إثارة للاهتمام في 23 يونيو 2026 في مجلة Scientific Reports. حيث لم يدرس العلماء الأعمال الفنية بحد ذاتها، بل طرق التفاعل معها.

وكان اهتمامهم منصباً على سؤال: لماذا تترك بعض اللقاءات مع الفن أثراً عميقاً، بينما لا يكاد يُتذكر بعضها الآخر؟

أظهرت النتائج أن التأثير الأكبر في الرفاه النفسي لا يأتي من التعرف العابر، بل من التأمل المتأني والمندمج. فعندما يخصص الشخص وقتاً كافياً للعمل الفني، ويلاحظ التفاصيل، ويسمح لنفسه بتفسيره الخاص، يكون الأثر الإيجابي في الرفاه النفسي أكثر وضوحاً بكثير. ويربط الباحثون ذلك بالانخراط الأعمق في عملية إدراك العمل. كما أفاد المشاركون في الدراسة بمرورهم بتجارب أكثر وضوحاً تتعلق بالاستجابة العاطفية للفن.

وهذا استنتاج مهم للباحثين؛ فالأمر لا يقتصر على العمل نفسه فحسب، بل يمتد إلى جودة الانتباه الذي نوليه له.

يتبين أن الفن ليس مجرد مادة للاستهلاك، بقدر ما هو مساحة للتجربة الداخلية.

من الجمال إلى التجربة

في 2026، نشر باحثون من Penn Center for Neuroaesthetics مراجعة بعنوان دال Going Beyond Beauty («ما وراء الجمال»).

في الواقع، نحن نتحدث عن مراجعة للنموذج العلمي للإدراك الجمالي نفسه.

على مدار سنوات عديدة، حاول الباحثون فهم السبب وراء رؤية الإنسان لصور أو أشكال أو تكوينات معينة على أنها جميلة. ومع ذلك، أصبح من الواضح بشكل متزايد اليوم أن الجمال ليس سوى أحد مكونات التجربة الفنية.

يمكن للعمل الفني أن يثير الإعجاب، أو الدهشة، أو الرهبة، أو الفضول، أو الحنين، أو القلق، أو التوتر الداخلي، أو حتى الارتباك. وكل هذه الحالات هي جزء أصيل من التجربة الجمالية.

يقترح المؤلفون توسيع مفهوم التجربة الجمالية ذاته. فالفن في هذا النموذج يصبح مساحة يوسع فيها الإنسان حدود إدراكه الخاص، ويعيش حالات عاطفية جديدة، ويكتشف طرقاً جديدة لفهم نفسه والعالم من حوله.

لماذا يثير الفن المعاصر الكثير من التساؤلات؟

هذا الاستنتاج مهم بشكل خاص لفهم الفن المعاصر.

يقف المشاهدون أمام عمل فني يبدو لهم غريباً أو حتى منفراً، فيتساءلون غريزياً:

«ما الذي أراد الفنان قوله؟»

ومع ذلك، تطرح الأبحاث الحديثة سؤالاً آخر لا يقل أهمية:

«ما الذي يحدث لي أثناء لقائي بهذا العمل؟»

على عكس الكتاب المدرسي أو دليل التعليمات، ليس العمل الفني ملزماً بتقديم إجابة قاطعة. بل يمكنه ترك مساحة للشك، وتعدد التفسيرات، والتجربة الشخصية.

ومن وجهة نظر علم الجمال العصبي، تكمن إحدى قيمته في هذا الأمر تحديداً.

إذ لا يصبح الإنسان مجرد مراقب سلبي، بل مشاركاً فعالاً في عملية خلق المعنى.

الفن بوصفه مساحة للتساؤل

ربما يرتبط أحد أكثر استنتاجات الأبحاث الأخيرة إثارة للاهتمام بدور عدم اليقين في التجربة الإنسانية. فمعظم البيئة الرقمية الحديثة مصممة بهدف معاكس تماماً: تقليل المجهول إلى أدنى حد. إذ توصي الخوارزميات بالكتب والأفلام والموسيقى بناءً على التفضيلات الموجودة مسبقاً، وتوفر محركات البحث إجابات فورية على أي سؤال تقريباً.

يعمل الفن وفق منطق مختلف تماماً. فهو لا يسعى إلى إزالة عدم اليقين، بل على العكس، يجعله جزءاً من التجربة.

ولهذا السبب، ينظر العديد من الباحثين إلى التلقي الفني كممارسة خاصة للتفاعل مع عدم اليقين؛ فهو مساحة يمكن فيها تطوير المرونة النفسية، والانفتاح على تفسيرات مختلفة، والقدرة على البقاء مع السؤال دون الحاجة إلى إجابة فورية.

يظل الفن أحد المجالات القليلة في التجربة الإنسانية التي لا يوجد فيها السؤال بالضرورة من أجل الإجابة. فأحياناً تكون عملية البحث والتأمل والتقصي الداخلي لا تقل أهمية عن الاستنتاج النهائي، وربما يكتسب هذا أهمية خاصة في عصر يسعى فيه كل شيء من حولنا إلى تقديم إجابات سريعة وقاطعة.

الدور الجديد للفن

على خلفية هذه التحولات النظرية، تظهر ممارسات ثقافية جديدة تجسدها بشكل منطقي تماماً. إذ أصبح الفن بشكل متزايد ليس مجرد موضوع للمراقبة، بل بيئة لعيش التجربة والإبداع المشترك.

أحد أبرز الأمثلة هو DATALAND في لوس أنجلوس، الذي افتُتح في يونيو 2026. وهي أول مؤسسة دائمة مكرسة بالكامل للفن القائم على الذكاء الاصطناعي. هنا، لا يكتفي المشاهد بمشاهدة الأعمال، بل يصبح جزءاً من نظام بيئي فني حاسوبي حي: تعمل خمس صالات عرض كنظام واحد يتفاعل مع وجود الزوار وحركتهم وحتى إشاراتهم الفسيولوجية. فالأعمال ليست ثابتة، بل تتطور باستمرار في الوقت الفعلي، وتتحول تحت تأثير بيانات البيئة المحيطة ووجود الأشخاص في المكان. للمزيد حول DATALAND: https://gaya.one/ru/society/art/dataland-voplosennaa-mecta-refik-anadol-v-los-andzelese-i-rozdenie-novoj-hudozestvennoj-ekosistemy-na-styke-iskusstva-i-ii

تعكس مثل هذه المشاريع تحولاً ثقافياً أوسع. إذ يُنظر إلى الفن بشكل متزايد ليس كمجموعة من الأشياء، بل كمساحة للتفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا والخيال والإدراك.

الفن بوصفه توسيعاً للتجربة الإنسانية

لعل الاستنتاج الرئيسي لأبحاث السنوات الأخيرة يكمن في أن الفن لا يكتفي بعكس التجربة الإنسانية، بل يساعد في توسيع نطاقها.

يمكن للعمل الفني أن يغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى العالم. إذ يمكنه فتح آفاق لحالات عاطفية جديدة، أو كشف روابط غير متوقعة بين الظواهر، أو تقديم رؤية مختلفة للواقع المألوف.

ليس فقط لأنه جميل، وليس فقط لأنه يثير مشاعر قوية.

بل لأنه يتيح لنا رؤية المزيد، والشعور بعمق أكبر، وتجاوز الطرق المعتادة لفهم العالم.

اليوم، بات علم الجمال العصبي ينظر إلى الفن بشكل متزايد ليس كمجرد إضافة لحياة الإنسان، بل كأحد آليات تشكيل التجربة الإنسانية. ليس لأن الأعمال الفنية يمكن اختزالها في عمل شبكات عصبية معينة في الدماغ، بل لأن الإنسان يكتشف من خلال التجربة الفنية طرقاً جديدة لرؤية العالم المحيط والشعور به وفهمه.

ربما تكون هذه القدرة التي يتمتع بها الفن في توسيع حدود الإدراك هي ما يفسر سبب تزايد اهتمام علم الأعصاب به اليوم بدلاً من تراجعه. فالفن يُنظر إليه بشكل متزايد ليس مجرد موضوع للبحث، بل كواحد من أكثر الطرق تعقيداً لتشكيل التجربة الإنسانية وتوسيعها؛ وهي تجربة لا يمكن اختزالها في عمل شبكات عصبية منفردة أو نماذج إحصائية، لأنها تولد عند تقاطع الإدراك والعواطف والذاكرة والثقافة والتاريخ الشخصي لكل فرد.

51 مشاهدات

المصادر

  • nature.com

  • Рассматривая искусство как путь к психологическому благополучию и физическому здоровью

  • Обзор исследовательской программы одного из ведущих мировых центров нейроэстетики при University of Pennsylvania.

  • Slow-looking enhances aesthetic experience

  • Penn Center for Neuroaesthetics Research

  • Going Beyond Beauty: Characterizing the Complexity of Aesthetic Experiences

  • Dataland AI art museum opens June 20 in LA

  • Inside DATALAND: What to Know About Refik Anadol's AI Museum

  • Inside Refik Anadol's Dataland, the world's first AI art museum

  • Penn Center for Neuroaesthetics

  • Neuroaesthetics: Bridging art and science to enhance clinical practice

التعليقات

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.