في سقارة، الجبانة القديمة قرب منف، يهيّئ علماء الآثار مرة أخرى مفاجأة مدوّية: في الأيام القليلة المقبلة ستعلن مصر رسميًا عن اكتشاف آبار جديدة تضمّ عشرات التوابيت الملوّنة وقطعًا أثرية مذهّبة تفوق في حجمها اكتشاف 59 تابوتًا في مطلع أكتوبر.
كشفت أعمال البعثة المصرية في هذه المنطقة، المعروفة بمقابر الكهنة وكبار رجال الدولة من الأسرة السادسة والعشرين، عن ثلاث آبار إضافية. وفيها توابيت خشبية أُغلقت قبل أكثر من 2500 عامًا وتضمّ مومياوات، ملوّنة بألوان زاهية ومحفوظة في حالة ممتازة، فضلًا عن تماثيل خشبية وأقنعة ملوّنة ومذهّبة. وقد نزل رئيس وزراء مصر بنفسه إلى إحدى هذه الآبار ليقدّر حجم الاكتشاف.
هذا ليس مجرد زيادة في الأرقام تُضاف إلى 59 تابوتًا معروفة سلفًا. فكل اكتشاف من هذا القبيل يذكّرنا بأن المصريين القدماء بنوا حضارة بأكملها حول فكرة الحياة الأبدية، حيث يواصل الجسد والروح مسيرهما بعد الموت. والإنسان المعاصر، حين يواجه هذه القطع الأثرية، يجد نفسه أمام سؤال عن ذاكرته هو: ماذا سنترك خلفنا وكيف نحفظ صلتنا بالماضي.
تزوّد سقارة العلم منذ عقود بمعطيات جديدة عن ممارسات الدفن والبنية الاجتماعية ومعتقدات تلك الحقبة. ويبدو أن الآبار الجديدة تنتمي إلى الفترة نفسها، وترجّح أنها تضم رفات أفراد من النخبة — كهنة وموظفين. وتتيح مثل هذه الاكتشافات تدقيق تصوراتنا عن الطقوس والحياة اليومية من دون اللجوء إلى التخمين.
في عالمٍ يسهل فيه محو الآثار الرقمية ويتشتت فيه الانتباه، تقف هذه المقابر شاهدًا صامتًا: فالأدلة المادية على الماضي تساعدنا على فهم كيف بحث الناس قبل آلاف السنين عن المعنى في مواجهة فناء الحياة. وكما يقول المثل القديم: «من يتذكّر يعش مرتين».
لن يقتصر الإعلان المنتظر على إثراء مجموعات المتاحف، بل سيعزّز أيضًا الاهتمام بالتراث المصري، ويلفت الانتباه إلى ضرورة دراسة هذه المعالم والعناية بها وحفظها.
