الهرم الروماني في الصحراء المصرية: مرثية يونانية بين الهيروغليفية

تم التعديل بواسطة: Svitlana Velhush

في واحة الداخلة، بين رمال الصحراء الغربية في مصر، اكتشف علماء الآثار مقبرة تبدو للوهلة الأولى مفارقة للزمن: بنية هرمية من الطوب اللبن، شُيّدت في العصر الروماني، في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلادي. تؤدي أربع عشرة درجة إلى مدخل حجري مزخرف بالشمس المجنحة والكوبرا ومشهد من «كتاب الأمدوات» — النص المصري عن رحلة الشمس في العالم الآخر. لكن في الجدار الجنوبي للهرم ثُبّتت لوحة حجرية تحمل تسعة عشر سطرًا من قصيدة رثاء يونانية.

أجرت الحفريات بعثة مصرية تابعة للمجلس الأعلى للآثار في بير الشغالة، وهي جزء من جبانة مدينة موتيس القديمة. كان المبنى مخصصًا لرجل وزوجته. وفي الداخل عُثر على مائدة قربان من الحجر الرملي، وحوض للتطهير، وفخار، وعملة برونزية تحمل صورة الإمبراطور قسطنطين. أما الاكتشاف الأهم فهو اللوحة الحجرية التي تحمل مرثية مخصصة لرجل يُدعى بسيختيس (أو بيسيختيس)، الذي قد يكون، وفق البيانات الأولية، قد اعتُبر قاضيًا.

توضح هذه المقبرة بوضوح كيف تشابكت التقاليد في مصر الرومانية. فالرموز الحامية المصرية وصور العالم السفلي تجاور نصًا أدبيًا يونانيًا كُتب بالحبر الأحمر. ولم تكن اللغة اليونانية في واحة الداخلة نادرة: فقد حُفظت في تريميثيس المجاورة نقوش مدرسية باليونانية. ولا تلغي القصيدة الموجودة على اللوحة المعتقدات المصرية، بل تكملها، بما يدل على أن النخبة المحلية حافظت على طقوسها الخاصة، مع إدماجها في الوقت نفسه عناصر من الثقافة الهلنستية.

تساعد مثل هذه الآثار الهجينة على فهم الحياة اليومية في المقاطعات النائية من الإمبراطورية. فلم يكن هنا انقطاع حاد بين «الروماني» و«المصري»: كان الناس يدفنون أقاربهم وفق عادات مختلطة، حيث تحمي الهيروغليفية الروح، وتعبر السطور اليونانية عن الحزن الشخصي. وتشير عملة قسطنطين إلى زمن كانت فيه المسيحية قد بدأت تكتسب قوة، لكن ممارسات الدفن التقليدية ظلت حية.

يشير علماء الآثار إلى أن المدخل الحجري بالهيروغليفية ومشهد من «كتاب الأمدوات» يُعدّ نادرًا في هذه الجبانة. فعادةً ما توجد هذه العناصر في آثار أقدم أو في آثار العاصمة. ووجودها في هرم متواضع من الطوب يدل على أن أصحاب المقبرة، حتى في واحة نائية، كانوا يسعون إلى زخرفة ذات مكانة، جامعين بين المواد المتاحة ورموز المكانة الرفيعة.

يضيف هذا الاكتشاف لمسة إلى صورة المشهد الثقافي في مصر الرومانية. ففي الداخلة، كما في واحات أخرى، لم تكن اللغة اليونانية مقتصرة على الإدارة، بل استُخدمت أيضًا للتعبير عن المشاعر في لحظة الوداع. والمرثية على اللوحة ليست مجرد نقش، بل دليل على أن الشخص، وقد يكون قاضيًا، أراد أن يُذكر بلغة تربطه بالعالم الهلنستي الأوسع.

تذكّرنا مثل هذه الاكتشافات بأن الناس، حتى في أبعد زوايا العالم القديم، كانوا يبحثون عن سبل لربط خيوط هويتهم المختلفة، ليشيعوا موتاهم في رحلتهم الأخيرة بما يليق.

9 مشاهدات

المصادر

  • Rare Roman pyramid tomb with Greek mourning poem found in Egypt’s Dakhla Oasis

التعليقات

اقرأ المزيد من المقالات حول هذا الموضوع:

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.