لقاء لم يكن في خط السير
سفينة البعثة E/V Nautilus أبحرت من هونولولو لاستكشاف سلاسل جبلية بحرية وجبال وسهول سحيقة قرب أرخبيل هاواي كانت شبه مجهولة حتى وقت قريب. وتمتد الرحلة في الفترة من 22 سبتمبر إلى 12 أكتوبر 2026 وتُجرى بدعم من NOAA Ocean Exploration.
غير أن الإعصار Nolo غيّر خطط الفريق الأولى. فانحرفت السفينة عن المنطقة المقررة واتجهت إلى المياه الدولية نحو بقعة من قاع البحر القديم في الإقليم البركاني لجزر لاين، جنوب غرب سلسلة سكالبين.
وخلال أول غوص، قامت المركبات المُدارة عن بُعد Little Hercules و Atalanta هبطتا أعمق 5 000 مترًا. وهناك واجهت كاميراتهما عدة أسماك بلا وجه دفعة واحدة.
تغيّر المسار بسبب الطبيعة — وعلى المسار الجديد نفسه كشف المحيط للباحثين حياة لم يخططوا لرؤيتها.
سمكة صُمّم وجهها على نحو مختلف
ظهر اسم «بلا وجه» بسبب البنية غير المعتادة للرأس Typhlonus nasus.
يقع فمها في موضع منخفض جدًا، على الجانب السفلي من الرأس، لذا يكاد لا يُرى عند النظر إليها من الأمام. أما العينان فهما موجودتان، لكنهما مخفيتان في عمق تحت الجلد، ووفقًا لبيانات الباحثين فإن وظيفتهما محدودة للغاية. وتقع زوجان من المنخرين الكبيرين قرب الجزء الأمامي من الرأس.
وبفضل تكبير الكاميرا تمكن الفريق من فحص هذه الفتحات عن كثب، بل ورؤية طفيليات صغيرة كانت تسافر على جسم السمكة.
في الظلام المطلق، لا تمنح الرؤية العادية سوى مزايا ضئيلة. لذلك تُدرك السمكة بلا وجه محيطها على نحو مختلف: إذ تؤدي الإشارات الكيميائية والروائح واللمس دورًا مهمًا.
وهي ليست «محرومة» من الطريقة المعتادة للرؤية. إن إدراكها منظم ببساطة وفق واقع آخر.
حيث يضطر الإنسان إلى إضاءة الفضاء بكشاف، يقرأ هذا الشكل من الحياة الماء مباشرة — فيستشعر وجود الطعام وحركة الوسط وقرب الكائنات الأخرى دون صورة بصرية.
معرفة تمتد أكثر من قرن ونصف
أول ممثلين معروفين للعلم Typhlonus nasus جُمعت في عام 1874 خلال رحلة استكشافية للسفينة البريطانية HMS Challenger — أول رحلة أوقيانوغرافية عالمية واسعة النطاق.
وفي عام 1878 وصف عالم الحيوان ألبرت غونتر النوع علميًا. ويمكن ترجمة اسمه تقريبًا بأنه «السمكة العمياء ذات الأنف الكبير» — إشارة إلى ضعف البصر والمنخرين البارزين.
ورغم ندرة المشاهدات، فإن النوع واسع الانتشار إلى حد كبير. فقد سُجّل قرب بحر العرب وإندونيسيا وبابوا — غينيا الجديدة واليابان وهاواي وأستراليا، وبشكل رئيسي على أعماق تناهز 4 000–5 000 مترًا.
وفي عام 2017 عُثر على عدة عينات خلال البعثة الأسترالية Sampling the Abyss. وحينها جذب المظهر غير العادي للسمكة انتباه العالم بأسره من جديد.
إن رصد عام 2026 لا يعني اكتشاف نوع جديد. فقيمته في أمر آخر: إذ رأت الأجهزة عدة أسماك حية في بيئتها الطبيعية، دون أن ترفعها إلى السطح. وقد أتاحت الكاميرات مراقبتها وهي تتحرك بحرية في ذلك العالم الذي تشكّل جسمها من أجله.
حين يكون الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور
يسهل على الإنسان أن يتخذ من بنيته الخاصة نموذجًا شاملًا.
نبحث عن العينين — فنقول إن السمكة شبه عمياء.
ونبحث عن فم مألوف — فنصفها بأنها بلا وجه.
ونبحث عن الضوء — فنتخيل الأعماق صحراء قاحلة.
لكن المحيط يبيّن لنا: إن غياب السمة المألوفة لا يعني النقص بعد.
في عالم بلا ضوء، لم يصبح جسم هذه السمكة ناقصًا. بل كشف عن إمكانات أخرى للإدراك. فالمواد الكيميائية في الماء، واللمسات الخفية بالكاد، واهتزازات الوسط، تشكّل لها صورتها الخاصة عن الفضاء — لا بصرية، لكنها دقيقة بما يكفي للعثور على الطعام ومواصلة الحياة في السهل السحيق.
هذا ليس عالمًا بإمكانات أقل. إنه نظام مختلف من العلاقة مع البيئة.
المحيط الذي يستحيل استكشافه في خط مستقيم
تذكّرنا قصة بعثة NA182 بسمة أخرى من سمات معرفة المحيط: أن الطريق إلى الاكتشاف قلّما يكون مستقيمًا.
يضع الباحثون المسارات، ويختارون مناطق الغوص، ويحسبون أوقات العمل. لكن المحيط يظل مشاركًا فاعلًا في ما يجري. فالرياح والأمواج والأعاصير تغيّر خطط الإنسان، ومعها تغيّر ميدان المراقبة.
إن تغيير المسار لا يضمن اكتشافًا، ولا يحوّل ظاهرة طبيعية إلى علامة. لكنه يخلق نقطة لقاء جديدة لم تكن موجودة في الخطة الأولى.
وجد العلماء أنفسهم فوق جزء آخر من القاع. وغاصت الأجهزة في مكان آخر. ودخلت كائنات حية أخرى في عدسة الكاميرا.
وهكذا أصبحت مصادفة المسار جزءًا من المعرفة العلمية.
بماذا ذكّرنا المحيط اليوم؟
الإدراك لا يعني بالضرورة النظر.
كل شكل من أشكال الحياة يتصل بالعالم على طريقته. فبعضها يهتدي بالضوء، وبعضها بالصوت أو الرائحة أو اللمس أو المجالات الكهربائية أو حركة الماء. ولكل منها طريقته الخاصة في تبيّن الفضاء المحيط به والاستجابة له.
السمكة بلا وجه لا تنتظر الضوء لتبدأ الحياة. إنها في تفاعل دائم مع الأعماق، وتقرؤها بالطريقة المتاحة لها وحدها.
أما الإنسان، حين يوجّه الكاميرا نحو الظلام، فإنه يكتسب إمكانية توسيع إدراكه هو أيضًا.
أحيانًا، لرؤية المزيد، لا يكفي أن نضيف ضوءًا. بل ينبغي أن نتخلى عن توقع أن تكون الحياة بالضرورة على النحو الذي نألفه.
أظهر المحيط اليوم أن العالم لا ينتهي حيث يتوقف البصر. فما وراء الرؤية يستمر تعرّف لا نهائي للحياة على الحياة.



