في عالم كثيرًا ما يقترن فيه النجاح بعقود من الخبرة والعلاقات والشهادات المرموقة، تبدو قصة زاك ياديغاري وكأنها سيناريو فيلم تحفيزي. فقد أثبت هذا الشاب الأمريكي رائد الأعمال أن العمر مجرد رقم، وأن الفرص الحقيقية يصنعها من يعرفون كيف يرون المشكلات حيث يرى الآخرون روتينًا مملًا، ويحلونها بالتقنية.
السنوات المبكرة: الكود بدلًا من الألعاب
بدأت رحلة زاك نحو النجاح قبل وقت طويل من تحوّله إلى نجم في الصحافة الاقتصادية. فقد بدأ البرمجة في سن 7. فبينما كان معظم الأطفال في عمره يلعبون ألعاب الفيديو، كان زاك يتعلم كيف يصنعها.
وفي سن 13 أظهر ليس المهارات التقنية فحسب، بل أيضًا حسّه الريادي، إذ أنشأ موقع Totally Science وباعه بنجاح، وكان الموقع يساعد التلاميذ على تجاوز القيود الشبكية المفروضة في المؤسسات التعليمية.
كيف كان موقع Totally Science يعمل؟
في سن 13 لاحظ زاك هذه «المشكلة» لدى جمهوره: كان التلاميذ يريدون اللعب أو الترفيه في فترات الاستراحة أو حتى أثناء الحصص المملة، لكن الحجب التقني كان يمنعهم.
فأنشأ موقعًا باسم Totally Science («العلم تمامًا»). وكانت الحيلة تكمن في أمرين:
- التنكّر: كان اسم الموقع نفسه وبنيته الأساسية يبدوان كمورد تعليمي غير ضار، ما أتاح له تفادي القوائم السوداء الآلية لجدران الحماية المدرسية.
- المحتوى: كان الموقع يضم ألعابًا خفيفة تعمل في المتصفح وتُحمَّل عبر نطاقات لم يكن مديرو المدارس قد حجبوها بعد. وكان في جوهره موقعًا كلاسيكيًا للألعاب «غير المحجوبة» (unblocked games).
ماذا علّمته هذه التجربة؟
كان هذا المشروع أول درس عملي لزاك في ما يُسمى في عالم الأعمال Product-Market Fit (توافق المنتج مع السوق). وقد استخلص ثلاثة مبادئ أساسية:
- لا حاجة إلى اختراع العجلة. لم يكن عليه ابتكار ألعاب معقدة وفريدة. فقد قدّم ببساطة الوصول إلى ما كان الناس يريدون الحصول عليه أصلًا، بإزالة العقبة الرئيسية (الحجب).
- حلّ مشكلة حقيقية لدى الجمهور. لم يأتِ النجاح لأن الموقع كان معجزة تقنية، بل لأنه كان يحلّ على نحو مثالي مهمة محددة لجمهوره المستهدف (التلاميذ) هنا والآن.
- الزيارات وتحقيق الدخل. سرعان ما نال الموقع شعبية هائلة بين تلاميذ مدارس مختلفة. وقد علّم ذلك زاك العمل مع زيارات الويب، والحفاظ على انتباه المستخدمين، وتحقيق الدخل من المشروع (عبر الإعلانات مثلًا).
لم يُقدّر النظام الأكاديمي التقليدي إمكاناته على الفور. فقد تلقى زاك رفضًا من 15 من الجامعات النخبوية. لكنه بدلًا من أن يستسلم، استخدم ذلك دافعًا، فأثبت أن المهارات العملية والقدرة على صنع منتجات عاملة تُقدَّر في السوق أكثر من أي شهادات.
ميلاد Cal AI: الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة
كان أعظم انتصار لزاك إنشاء تطبيق Cal AI، الذي أسّسه مع صديق طفولته هنري لانغماك (تعرّفا في مخيم للبرمجة في سن 10). وُلدت الفكرة من مشكلة بسيطة لكنها تزعج كثيرين: فالحساب اليدوي للسعرات الحرارية والمغذيات الكبرى في التطبيقات التقليدية يستهلك وقتًا وجهدًا أكثر مما ينبغي.
قرّرا الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي لجعل هذه العملية فورية. يكفي أن يلتقط المستخدم صورة لطعامه، لتتعرّف الشبكة العصبية تلقائيًا على مكوّنات الطبق وتحسب سعراته الحرارية. كما تضمّن التطبيق ميزة تحليل تركيب الجسم من الصورة، ما جعله أداة شاملة ومريحة.
التوسّع والنجاحات المالية
لم يكن Cal AI مجرد «مشروع مرآب». فقد تعامل زاك مع العمل بانضباط كلاسيكي لا تشوبه شائبة. ولم يكن نمو التطبيق معتمدًا على أمل أعمى في الانتشار الفيروسي، بل على عمل منهجي مدروس مع الزيارات المدفوعة والشراكات مع المؤثرين على TikTok وInstagram.
فاقت النتائج أجرأ التوقعات، وأكدها المحللون بشكل مستقل:
- نما عدد العاملين في الشركة إلى عدة عشرات من الأشخاص.
- تجاوز التطبيق حاجز 15 مليون تنزيل.
- استقرّ الدخل الشهري عند أكثر من مليون دولار.
- بلغت الإيرادات السنوية المتكررة (ARR) مستوى مذهلًا بلغ 30–40 ملايين الدولارات في أقل من عامين.
في غضون فترة قصيرة، حوّل زاك فكرة بدأ ببرمجتها أثناء الحصص المدرسية إلى عمل تجاري قوي ومربح.
البيع الظافر والاعتراف
بلغت هذه القصة ذروتها بصفقة هزّت سوق التكنولوجيا الصحية. فقد استحوذت شركة MyFitnessPal، إحدى أكبر اللاعبين العالميين في مجال تتبّع اللياقة، على تطبيق Cal AI.
بالنسبة إلى MyFitnessPal كان هذا شراءً استراتيجيًا: فقد اشتروا ليس التقنية بقدر ما اشتروا جمهورًا وفيًا وسريع النمو للشركة الناشئة. وبالنسبة إلى المؤسس البالغ 19 عامًا، لم يكن ذلك يعني الحرية المالية فحسب، بل أيضًا اعترافًا رسميًا برؤيته. وبعد ذلك بوقت قصير، أُدرج زاك في قائمة Forbes المرموقة «30 دون 30».
لكنه لم يتوقف عند ما حققه. ففي عام 2026 أعلن عن شركته الناشئة الجديدة في مجال وكلاء الذكاء الاصطناعي تحت اسم Persona، وفي غضون أيام قليلة فقط جمع 10 ملايين الدولارات من الاستثمارات الأولية من كبرى صناديق رأس المال الاستثماري.
Persona هو وكيل ذكاء اصطناعي شخصي في هيئة جهاز قابل للارتداء (wearable AI). فإذا كان Cal AI يحلّ مهمة واحدة محددة (حساب السعرات الحرارية)، فإن Persona يُطرح كمساعد شامل يتولى الكثير من المهام الروتينية اليومية.
وفقًا لتصريحات الفريق، يتولى الجهاز قدرًا كبيرًا من الروتين:
- طلب الطعام وسيارات الأجرة — ما عليك سوى أن تقول ما تريد، فيُتمّ الذكاء الاصطناعي الطلب بنفسه في التطبيق المناسب
- حجز الرحلات — البحث عن الرحلات الجوية والفنادق، ووضع المسارات، وشراء التذاكر
- إدارة البريد الإلكتروني — الفرز، والرد على الرسائل النمطية، وكتابة رسائل جديدة
- الملاحظات — تدوين الاجتماعات والأفكار، وكتابة ملخصات المحادثات
- الإجابة عن الأسئلة — البحث عن المعلومات في الوقت الفعلي
- إجراء المكالمات — وهي من أكثر الوظائف إثارة للاهتمام. يستطيع الذكاء الاصطناعي الاتصال بخدمات الدعم أو المطاعم أو أي جهة أخرى نيابةً عنك، كي لا تضيّع وقتك في الانتظار على الخط أو في محادثات محرجة
دروس ملهمة من قصة زاك يادغاري
- ابدأ الآن، لا «حين تصبح جاهزًا». لم ينتظر زاك إنهاء الجامعة أو الحصول على استثمارات من صناديق كبيرة. بل بدأ بما كان يُتقنه أكثر من غيره — بكتابة الشيفرة.
- حلّوا مشكلات حقيقية. لا يكمن نجاح Cal AI في تعقيد الخوارزميات، بل في مدى أناقة حلّ التطبيق لألم يومي يعيشه ملايين الناس، إذ يحوّل عدّ السعرات الحرارية الروتيني إلى لمسة واحدة.
- الرفض ليس طريقًا مسدودًا، بل إعادة توجيه.
