غالبًا ما يُختزل الجدل الأزلي بين «محبي الكلاب» و«محبي القطط» في حجة واحدة: الكلاب تحبنا دون قيد أو شرط، بينما تحبنا القطط فقط لأننا نطعمها. هكذا جرى العرف على اعتبار القطط كائنات مستقلة، وأنانية، وباردة عاطفيًا.
بيد أن العقد الأخير شهد طفرة حقيقية في علم السنوريات (علم القطط) وعلم النفس الحيواني المعرفي. وتثبت الأبحاث العلمية الحديثة بما لا يدع مجالًا للشك أن القطط تحب أصحابها، غير أن حبها يتخذ شكلًا مختلفًا عن حب الكلاب.
1. نظرية الارتباط: القطط تحبنا تمامًا كما يحبنا الأطفال والكلاب.
تم التوصل إلى الدليل الأكثر إقناعًا على حب القطط في عام 2019 من قبل باحثين في جامعة ولاية أوريغون تحت إشراف كريستين فيتالي (Current Biology، في سبتمبر 2019).
طوّع العلماء «اختبار الموقف الغريب» الكلاسيكي، الذي صُمم في الأصل لتقييم ارتباط الرضع من البشر. وُضعت القطط في غرفة غير مألوفة مع أصحابها، ثم غادر الصاحب تاركًا الحيوان الأليف بمفرده، ليعود بعد ذلك. أظهر 64.3% من الهررة و65.8% من القطط البالغة «ارتباطًا آمنًا». فعند شعورها بالتوتر، استخدمت القطط صاحبها «قاعدة آمنة»؛ حيث لجأت إليه طلبًا للطمأنينة، ثم هدأت وعادت لاستكشاف الغرفة.
وعلى سبيل المقارنة، تبلغ هذه النسبة لدى الكلاب حوالي 65%، ولدى الرضع من البشر 65%. أما القطط الـ 35% المتبقية فقد أظهرت «ارتباطًا غير آمن» (إما بالتعلق المفرط بصاحبها أو تجاهله تمامًا)، وهو ما يعود غالبًا، كما هو الحال لدى البشر، إلى التنشئة الاجتماعية غير السليمة في سن مبكرة أو التوتر.
وهذا يعني أن القطة لا تراك مجرد «فتاحة علب»، بل أنت بالنسبة لها مصدر للأمان والراحة العاطفية.
2. كيمياء الحب: الأوكسيتوسين والكورتيزول
الحب على مستوى الكيمياء الحيوية هو إفراز هرمون الأوكسيتوسين («هرمون الارتباط والثقة») وانخفاض هرمون الكورتيزول («هرمون التوتر»).
ساد الاعتقاد لفترة طويلة أن القطط غير قادرة على الاستجابة للأوكسيتوسين، لكن الدراسات التي أُجريت فيها تحاليل للعاب والبول لدى القطط قبل التفاعل مع أصحابها وبعده دحضت ذلك؛ إذ ارتفع مستوى الأوكسيتوسين لدى القطط بشكل ملحوظ بعد المداعبة واللعب مع الشخص المفضل لديها.
وفي هذا الصدد، يشير العلماء إلى تفصيلة مهمة: إفراز الأوكسيتوسين لدى الكلاب عند التواصل مع صاحبها يكون انفجاريًا، فقد هُجنت تطوريًا للتعاون الوثيق مع الإنسان. أما لدى القطط، فتكون هذه الطفرة أكثر تحفظًا، لكنها موجودة. علاوة على ذلك، فإن وجود الصاحب يقلل بشكل مؤكد من مستوى الكورتيزول لدى القطة في المواقف العصيبة، مثل ركوب السيارة أو زيارة الطبيب البيطري.
3. لغة حب القطط: العلامات السلوكية
لا تجيد القطط الابتسام أو هز ذيولها كما تفعل الكلاب، فلغة حبها أكثر رهافة وتتطلب فك رموزها. ويؤكد العلم أن الأفعال التالية ليست مجرد ردود أفعال انعكاسية، بل هي أفعال تنم عن الحب والثقة:
«قبلة القطط» (الرمش البطيء). أثبتت دراسة أجرتها جامعة ساسكس (2020) أنه عندما تغلق القطة عينيها ببطء وهي تنظر إليك، فإنها تعبر عن مشاعر إيجابية وثقة. بل وأكثر من ذلك، إذا رمشت ببطء في المقابل، فمن المرجح أن تبادلك القطة الرمش وتقترب منك. وهذا يعادل تمامًا الابتسامة البشرية.
«خطوة الحليب» (التدليك بالمخالب). عندما تقوم القطة بتدليكك بمخالبها، فإنها تعود إلى حالة الهريرة التي تدلك بطن أمها لتحفيز إدرار الحليب. وبقيامها بذلك معك، تنقل القطة إليك لا شعوريًا دور الأم الراعية، وهذا أسمى أشكال الثقة.
النوم فوقك أو بجانبك. في الطبيعة البرية، يكون النوم هو الحالة الأكثر ضعفًا. فإذا نامت القطة في حضنك أو عند قدميك، فهي تقول حرفيًا: «أعلم أنك لن تخونني وستحميني».
الخرخرة عالية التردد. لا تخرخر القطط من أجل المتعة فحسب، بل من أجل العلاج الذاتي وتهدئة النفس أيضًا. ومع ذلك، تظهر الأبحاث أنها عند التواصل مع صاحبها، تستخدم خرخرة «استجدائية» خاصة تتخللها ترددات عالية تشبه بكاء الرضيع لاستثارة رعايتك. هذه أداة تواصل صُممت خصيصًا لك.
4. لماذا يتجاهلوننا إذًا؟ مفارقة التعرف على الصوت
تتمثل الحجة الرئيسية لمعارضي حب القطط في قولهم: «أنادي القطة، وهي لا تحرك ساكنًا». وهنا تأتي المساعدة من دراسة أجرتها العالمة اليابانية أيتسوكو سايتو (2013). فقد سجلت أصوات أصحاب القطط وهم ينادونها، وأصوات الغرباء. ميزت القطط صوت صاحبها دون خطأ، حيث تحركت آذانها، والتفتت رؤوسها، وتغير إيقاع تنفسها. ولكن لماذا لم تقترب؟
يختلف المسار التطوري للقطط عن مسار الكلاب؛ فقد جرى استئناس الكلاب لتنفيذ الأوامر والطاعة، أما القطط فقد استأنست نفسها بنفسها، إذ جاءت إلى مخازن الحبوب البشرية بحثًا عن الفئران، محتفظةً باستقلاليتها الكاملة.
تدرك القطة أنك تناديها، لكنها ببساطة تقيّم ما إذا كان الأمر يستحق مقاطعة شؤونها من أجل ذلك. إن تجاهل القطة لك ليس علامة على عدم الحب، بل هو دليل على أنها تشعر بأمان مطلق في منزلك ولا ترى ضرورة «لتقديم تقرير» إليك.
5. الذكاء العاطفي والتعاطف
أظهرت دراسة أجرتها جامعة نوتنغهام ترنت (2023) أن حالة القطط ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحالة العاطفية لأصحابها، فهي قادرة على قراءة ما نشعر به من توتر وحزن وفرح.
غالبًا ما تقترب القطط وتبدأ في التمسح بصاحبها أو الخرخرة تحديدًا في اللحظات التي يبكي فيها أو يمرض. ومع أن العلماء يتجادلون حول ما إذا كان هذا تعاطفًا خالصًا أم مجرد رد فعل على تغير رائحتك وسلوكك، فإن النتيجة واحدة: تحاول القطة استعادة التوازن العاطفي في «القطيع» الذي تعتبر نفسها جزءًا منه.
حب القطط هو خيار واعٍ. فالعلم يوضح بجلاء أن القطط تحبنا؛ فهي تشكل معنا ارتباطًا وثيقًا، وتشعر تجاهنا بانجذاب كيميائي (الأوكسيتوسين)، وتفتقدنا، وتستخدم لغة جسد معقدة للتعبير عن حنانها. يكمن الفرق في طبيعة هذا الحب؛ فالكلب يحب الإنسان بتبجيل لأنه يطعمه ويحميه، أما القطة فتحب كشريك وصديق متكافئ.
حب القطط لا يُمنح هباءً، بل يجب استحقاقه من خلال احترام حدودها الشخصية. وإذا نجحت في كسب ثقة هذا المفترس الصغير، فلن تحصل على مجرد حيوان أليف، بل على كائن يحبك بوعي وإخلاص، ووفق شروطه الخاصة، الصغيرة ولكن الأبية.



