في حلقة برنامج «سيناريوهات» على «الجزيرة» في 17 سبتمبر 2026، وصف الخبراء مفارقة سباق الذكاء الاصطناعي: فكل الأطراف تعترف بالمخاطر، لكن لا أحد منها مستعد لتحمّل تكلفة التباطؤ بمفرده. فالشركات تخشى فقدان السوق والمستثمرين، والدول تخشى التنازل عن ميزة استراتيجية للمنافسين. وهذه الديناميكية لا تحدد وتيرة التطوير فحسب، بل تحدد أيضاً شكل التنظيم المستقبلي.
القوى البنيوية هنا واضحة. فقد حوّلت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين الذكاء الاصطناعي إلى عنصر من عناصر الأمن القومي والتفوق العسكري، وليس مجرد منتج تجاري. وضغط المستثمرين ومنطق السوق يدفعان الشركات إلى تسريع التطوير، حتى عندما تتحدث علناً عن السلامة. والسابقة التاريخية — سباق التسلح النووي — تُظهر أن القيود الطوعية لا تعمل إلا في وجود ثقة متبادلة وآليات تحقق، وهما أمران غير متوافرين حتى الآن في مجال الذكاء الاصطناعي.
واللحظة الظرفية تعزز هذا الاتجاه. ففي 2026 لم تكن أي قوة كبرى مستعدة للكشف عن نماذجها المتقدمة للتدقيق الدولي، خشية تسرّب التقنيات. وتصطدم المقترحات الرامية إلى إنشاء ما يشبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية للذكاء الاصطناعي بمشكلة الثقة: إذ يتعين على الأطراف تبادل البيانات والأسرار التي تعتبرها مفتاحاً للتفوق الاقتصادي والعسكري. ونتيجة لذلك، يظل التنظيم وطنياً ومجزأً.
المصالح الخفية تتطابق لدى خصوم ظاهريين. فالشركات الأمريكية والصينية، وكذلك حكوماتها، تستفيد من استمرار الغموض: فهو يسمح بمواصلة الاستثمارات والتطوير دون قيود عالمية صارمة. أما الأطراف الثالثة — مثل الجهات التنظيمية الأوروبية — فتحاول فرض قواعد، لكن تأثيرها محدود، لأن الشركات قادرة على نقل التطوير إلى ولايات قضائية أقل صرامة.
النتيجة الأرجح في العامين أو الثلاثة المقبلة هي استمرار السباق بإجراءات جزئية ومتفرقة: قوانين وطنية، ومعايير طوعية للقطاع، وحلول تقنية «دفاعية» مثل عزل الأنظمة الحيوية. ومن غير المرجح إبرام معاهدة دولية كاملة بسبب عدم تماثل المعلومات والخوف من فقدان الميزة. ويؤكد هذا السيناريو منطق الحوافز: فلا أحد يريد أن يكون أول من يتباطأ ما لم يظهر تهديد واضح ومكلف.
أقوى حجتين مضادتين هما احتمال حدوث اختراق مفاجئ في مجال السلامة أو وقوع حادث كبير يفرض التحرك فوراً. غير أن الأول يتطلب تعاوناً غير مسبوق لم تُظهره تاريخ السباقات المماثلة، أما الثاني فلا يبدو حتى الآن، بحسب تقديرات الخبراء، حتمياً في الأشهر المقبلة. وسينهار التوقع إذا اتفقت الولايات المتحدة والصين فجأة على حد أدنى من معايير التحقق، أو إذا وقعت سلسلة حوادث تتعلق بالذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية في عام 2027 بالفعل.
المؤشر الرئيسي الذي يستحق المتابعة في غضون 4–8 أسبوعاً هو قرارات الجهات التنظيمية الوطنية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الاختبارات الإلزامية والإفصاح عن النماذج المتقدمة، فضلاً عن أي بيانات مشتركة بين واشنطن وبكين بشأن الذكاء الاصطناعي. وإذا ظلت هذه الخطوات إعلانية أو وطنية فقط، تأكد التوقع بشأن التنظيم المجزأ.
الحل للقارئ: أن يتابع ليس التصريحات الصاخبة عن المخاطر، بل النصوص التنظيمية المحددة وقرارات الاستثمار لدى الشركات — فهي وحدها التي ستكشف المسار الحقيقي للسباق.

