افتُتح في الرياض معرض الفن الصيني المعاصر «كتب اليوم للغد» — وهو حدث يبدو للوهلة الأولى كتبادل ثقافي عادي، لكنه يكشف في الواقع عن تحول أعمق في الاستراتيجية السعودية. يستضيف متحف الفن المعاصر في حي «جاكس» لأول مرة أكثر من 30 فنان من أصول صينية وما يزيد عن 50 عمل فني، جُمعت من مجموعات باريسية وأُبدعت خصيصاً خلال فترات إقامة فنية في العاصمة. هذا ليس مجرد عرض للأعمال، بل محاولة لإيجاد لغة مشتركة من خلال الخط العربي والصيني وصورة الحديقة — وهما عنصران تجاوزا منذ زمن طويل حدود الزخرفة في التقاليد العربية والصينية وأصبحا وسيلة لفهم العالم.
تُسرّع المملكة العربية السعودية وتيرة الانفتاح الثقافي في إطار «رؤية 2030»، ولم يكن اختيار الفن الصيني تحديداً هنا من قبيل الصدفة. فالصين شريك اقتصادي رئيسي للمملكة، وأصبح الفن أداة للقوة الناعمة، مما يسمح بنقل العلاقات التجارية إلى مجال الرموز والمشاعر. ويُبرز المعرض، الذي نظمته هيئة المتاحف، أوجه التشابه بين الثقافتين: الكتابة كممارسة روحية والحديقة كمساحة للتأمل والوئام. وتأخذ الأقسام الستة الموضوعية — من «أماكن الذاكرة» إلى «ملاذات الأحلام» — الزائر في رحلة عبر حوار الحضور والغياب، والانضباط والطبيعة.
وخلف هذا الوئام الظاهري يكمن حساب عملي أيضاً. إذ تكمل الأعمال المستمدة من مجموعتي Donnersberg و DSL، بالإضافة إلى الأعمال الجديدة التي أُبدعت في الرياض، المعرض بأعمال عادل عبد الصمد ومايكل لين — وهما فنانان يعرف الغرب أسماءهما بالفعل، لكنهما يظلان جديدين على الجمهور السعودي. وهذا يسمح للمملكة بوضع نفسها ليس فقط كمستهلك، بل كمنصة للحوار العالمي، حيث تلتقي التقاليد الشرقية دون وسطاء.
القياس بسيط: تخيل مخطوطتين قديمتين موضوعتين على طاولة واحدة في حديقة — إحداهما عربية والأخرى صينية. فكل حرف لا يحمل المعنى فحسب، بل يحمل أيضاً ثقل طقوس تعود لقرون مضت؛ وكل ممر بين الأشجار ليس مجرد طريق، بل هو انعكاس للكون. ويجعل المعرض هذه الصورة ملموسة، موضحاً كيف يعيد الفنانون المعاصرون تفسير هذه العناصر الفنية في سياق التغيرات الاجتماعية المتسارعة.
سيستمر المعرض حتى منتصف يناير، وقد بدأ بالفعل في إثارة اهتمام المشاهدين المحليين المعتادين على أشكال الفن الأكثر تقليدية. وهو يبرهن على أن المملكة العربية السعودية مستعدة للاستثمار ليس فقط في البنية التحتية، بل أيضاً في بناء جسور فكرية مع آسيا. وعلى المدى الطويل، يمكن لمثل هذه المشاريع أن تغير نظرة العالم للمنطقة: فمن مورد للنفط، تتحول إلى مركز للجذب الثقافي، حيث يلتقي الماضي والمستقبل على قدم المساواة.



