في قرية بهبيت الحجارة المصرية، بين حقول دلتا النيل، عثر مزارع عادي على حجر منقوش بالهيروغليفية. وما بدأ عملاً روتينياً في قطعة أرض تحوّل إلى حفريات إنقاذ واكتشاف أجزاء من تمثالين عملاقين للفرعون رمسيس الثاني.
يبلغ ارتفاع رأس أحدهما 1.6 متراً . ويقدّر علماء الآثار أن التمثال الكامل ربما تجاوز ثمانية أمتار. والتمثال الثاني، بحسب التفاصيل الباقية، يصوّر هو أيضاً الحاكم نفسه. وعُثر قربه على كتلة من الجرانيت الوردي تحمل ألقاباً ملكية. والمكان هو بقايا معبد قديم للإلهة إيزيس، حيث كانت مثل هذه النُصب تنتصب يوماً ما رموزاً للسلطة والنظام الإلهي.
أبلغ المزارع السلطات فوراً، وأجرى المجلس الأعلى للآثار في مصر حفريات عاجلة. ومثل هذه الاكتشافات العابرة ليست نادرة في بلد تحفظ فيه كل طبقة من ترابه آثار آلاف السنين. وهي تذكّرنا بأن التاريخ لا يختبئ في المتاحف أو المناطق المحمية فقط: بل هو حرفياً تحت أقدام من يحرثون الأرض كل يوم.
حكم رمسيس الثاني قرابة سبعين عاماً وترك من بعده من النُصب أكثر مما ترك أي فرعون آخر. وما زالت صوره بالتاج المزدوج، رمز وحدة مصر العليا والسفلى، تذهل بحجمها. والاكتشاف الجديد في بهبيت الحجارة يضيف تفاصيل إلى صورة برنامجه العمراني في الدلتا — تلك المنطقة التي كانت فيها المعابد والتماثيل تخدم أغراضاً دينية وسياسية في آن واحد.
بالنسبة للإنسان المعاصر، تطرح هذه القصة سؤالاً بسيطاً: ماذا كنا نحن أنفسنا قد نلاحظ لو نظرنا بتدقيق أكبر إلى ما تحت أقدامنا؟ فعلم الآثار هنا ليس علماً بعيداً، بل وسيلة لرؤية مدى تشابك العمل اليومي والحضارات العظيمة في الماضي.
يشير الخبراء إلى أن مثل هذه الأجزاء تساعد في تحديد مواقع المقدسات القديمة بدقة أكبر وفهم كيف استخدم الفراعنة المشهد الطبيعي لإظهار قوتهم. ولا تتوافر بعد بيانات دقيقة عن موعد نصب التماثيل بالضبط أو سبب دفنها، لكن الواضح بالفعل أن كل تفصيل جديد يغيّر تصورنا عن مدى كثافة الاستيطان وعظمة هذه المنطقة من مصر في عصر الدولة الحديثة.
تُظهر مثل هذه الاكتشافات أن الحضارات العظيمة تترك آثارها لا في الكتب المدرسية فحسب، بل في أكثر الأماكن عادية أيضاً — وأحياناً تكفي نظرة متأملة واحدة ليعود التاريخ إلى الكلام.
