في مختبر مركز UT Southwestern الطبي التابع لجامعة تكساس، سجل العلماء لأول مرة بالفيديو ما كان يُعتقد لسنوات طويلة أنه مستحيل: قطعة من الحمض النووي (DNA) انزلقت تلقائيًا من نواة خلية بشرية وانتقلت إلى خلية مجاورة. أظهر مقطع الفيديو، الذي تم الحصول عليه باستخدام تقنية التصوير المجهري الفاصل الزمني، خلايا ذات أنوية حمراء وخضراء وهي تتلامس، وفي تلك اللحظة انتقلت قطعة الحمض النووي الخضراء إلى الخلية الحمراء. هذا ليس نموذجًا حاسوبيًا، بل هو تسجيل فيديو حقيقي يوثق ظاهرة رُصدت لأول مرة في خلايا ثدييات في عام 2024 ونُشرت في مجلة Cell العلمية المحكمة في عام 2026.
يُعد الانتقال الأفقي للجينات ظاهرة معروفة منذ زمن طويل لدى البكتيريا والكائنات الأولية، وهي إحدى الآليات الرئيسية لتطورها. ومع ذلك، كان يُعتقد أن هذه العملية نادرة للغاية أو حتى مستحيلة لدى حقيقيات النوى المعقدة، بما في ذلك الثدييات والبشر. عادة ما يكون الحمض النووي محبوسًا بإحكام داخل النواة ومحميًا بغشاء مزدوج. ولكن عند تلف الخلايا أو حدوث أخطاء في انقسام الخلية، تتكون أنوية دقيقة (micro-nuclei)؛ وهي عبارة عن أجزاء كبيرة من الحمض النووي أو حتى كروموسومات كاملة خرجت من النواة وتستقر في السيتوبلازم بعيدًا عن النواة الرئيسية. أظهر بحث أجراه بيتر لي، الأستاذ المساعد في معهد أبحاث الأطفال التابع لـ UT Southwestern، أن هذه الأنوية الدقيقة لا تكتفي بالبقاء داخل خليتها فحسب، بل يمكنها مغادرتها والهجرة عبر ما يسمى بـ «الأنابيب النانوية» - وهي جسور سيتوبلازمية دقيقة بين الخلايا المتجاورة - والاندماج في جينوم الخلية المتلقية.
تعمد فريق لي البحثي إتلاف خلايا شبكية العين والكلى البشرية، مما أدى إلى تكوّن أنوية دقيقة، ثم قاموا بخلطها مع خلايا سليمة. سجل التصوير المجهري الفاصل الزمني انتقال الحمض النووي في أقل من خمسة بالمئة من الحالات؛ وهي نسبة نادرة ولكنها منتظمة. تبين أن المادة الوراثية المنقولة قابلة للتوريث، حيث قامت الخلايا الوليدة بنسخ ونقل الجينات الجديدة، بما في ذلك أجزاء من كروموسوم Y (الكروموسوم الذكري) من خلايا ذكورية إلى خلايا أنثوية. وتم الحصول على النتائج نفسها في خطوط الخلايا السرطانية والخلايا الجذعية متعددة القدرات، القادرة على التمايز إلى أي نوع من خلايا الجسم.
في السابق، رصد العلماء انتقال الحمض النووي الريبوزي (RNA) والبروتينات والعضيات بين الخلايا عبر الأنابيب النانوية (وهي هياكل تُعرف بكونها وسائط للتواصل السيتوبلازمي). ومع ذلك، ظل الحمض النووي نفسه بعيدًا عن المراقبة المباشرة لفترة طويلة، ولا يزال من غير الواضح مدى تكرار حدوث ذلك في الكائن الحي. تثبت تجارب لي أن الجسور بين الخلايا قادرة على نقل جزيئات حمض نووي كبيرة مزدوجة الشريط، والتي تندمج في كروموسومات الخلية المتلقية عن طريق إعادة التركيب. وقد وصف متخصص في البيولوجيا الجزيئية هذا العمل بأنه أول دليل فيديو مباشر على الانتقال الأفقي للجينات في خلايا الثدييات الحية.
على الرغم من ندرة هذه الظاهرة، إلا أن عواقبها البيولوجية قد تكون كبيرة. ففي الأورام، يمكن للجينات المسرطنة المتحورة أو أجزاء الحمض النووي التالفة أن تنتقل إلى الخلايا السليمة المجاورة، مما يسرع من تطور السرطان، ويساهم في عدم تجانس الورم، ويزيد من صعوبة علاجه. لا يزال يتعين دراسة آلية الانتقال نفسها والمجموعة الدقيقة من الجينات التي يمكن أن تهاجر بهذه الطريقة بدقة؛ فمعدل حدوث هذه الظاهرة منخفض جدًا بحيث لا يمكن إجراء فحص سريع دون استخدام طرق تصوير فيديو خاصة.
لا يلغي هذا الاكتشاف الانتقال الرأسي الكلاسيكي للجينات من الآباء إلى الأبناء، والذي يظل الآلية الأساسية للوراثة. ومع ذلك، فإنه يضيف مستوى جديدًا وغير متوقع لفهم التباين الوراثي في الكائنات متعددة الخلايا. يتضح أن الخلايا لم تعد وحدات معزولة تمامًا: فحتى داخل الكائن الحي الواحد، يمكن تبادل أجزاء كبيرة من الحمض النووي بين «الجيران»، وهو ما قد يؤثر على تكيف الأنسجة وتطور الأمراض.
يواجه الباحثون الآن مهمة جادة تتمثل في معرفة مدى تكرار حدوث هذا الانتقال في ظروف الكائن الحي، وما هي التسلسلات أو الجينات المحددة الأكثر عرضة لمثل هذه الهجرة، وما إذا كان يمكن استخدام هذه الآلية في الطب أو، على العكس من ذلك، ما إذا كان يجب حظرها عند علاج السرطان.
يُعد هذا الاكتشاف مثالًا ساطعًا على كيفية استمرار العلم في كشف التعقيد المذهل والديناميكية للحياة على المستوى الخلوي. فقد تبين أن الخلايا في أجسامنا أكثر «اجتماعية» وترابطًا مما كنا نعتقد سابقًا. إن إمكانية الانتقال الأفقي لأجزاء كبيرة من الحمض النووي عبر الأنابيب النانوية تضيف طبقة جديدة وجميلة إلى صورة التعاون والتكيف البيولوجي.
بدلًا من كونها «حصونًا» معزولة ذات جينوم مغلق بإحكام، تظهر الخلايا كمجتمع نشط قادر على تبادل المواد الوراثية عند الضرورة.
يفتح هذا البحث آفاقًا لتحقيق اختراقات في علم الأورام والطب التجديدي والعلاج الجيني. لقد تبين أن الطبيعة أكثر مرونة مما كنا نظن، وهذا يلهمنا للقيام باكتشافات جديدة.



