الأمراض الوراثية التي كانت حتى الأمس تُعتبر حكماً بالإعدام أو تتطلب زراعة أعضاء جذرية، بدأت اليوم تتراجع أمام تقنيات التحرير الدقيق للحمض النووي. الحدث الذي وقع على مفترق عامي 2024 و2025، فتح رسمياً عصر العلاج الجيني الشخصي "حسب الطلب".
عيب قاتل
بدأت القصة مع طفل يدعى KJ، وُلد في 1 أغسطس 2024. شخص الأطباء إصابته بـ نقص إنزيم كاربامويل فوسفات سينثيتاز-1 (CPS1) وهو اضطراب نادر للغاية وشديد الخطورة في دورة اليوريا. في هذا المرض، لا يستطيع الكبد معالجة نواتج تحلل البروتينات، مما يؤدي إلى تراكم سريع للأمونيا السامة في الدم. دون تدخل فوري، يؤدي ذلك إلى وذمة دماغية وغيبوبة ووفاة.
يقدم الطب التقليدي طريقين فقط: نظام غذائي قاسٍ للغاية مدى الحياة مع تناول حفنات من الأدوية المزيلة للسموم، أو زراعة كبد عالية المخاطر في سن الرضاعة.
دواء لمريض واحد
فريق من العلماء من مستشفى الأطفال في فيلادلفيا (CHOP) و جامعة بنسلفانيا (UPenn) اتبع مساراً جديداً جذرياً. في غضون ستة أشهر فقط، صمموا وصنعوا واختبروا على الخلايا والحيوانات دواءً فردياً.
يعتمد هذا الدواء على نوع من تقنية CRISPR وهو تحرير القواعد النيتروجينية (base editing)تعمل هذه الأداة كممحاة جزيئية: فهي تجد الحرف المعيب في جين CPS1 وتستبدله بدقة بالحرف الصحيح، دون قطع الحلزون نفسه. باستخدام جسيمات نانوية دهنية، تم توصيل الدواء مباشرة إلى خلايا كبد الطفل.
تألفت دورة العلاج من ثلاث حقن، تلقاها KJ في فبراير ومارس وأبريل 2025، عندما كان عمره بين 6 و8 أشهر. هذه الحالة هي الأولى في التاريخ لمثال in vivo (داخل الكائن الحي) لعلاج CRISPR صُمم خصيصاً لطفرة فريدة لشخص واحد فقط.
النتائج والوضع الفعلي
حتى عام 2026، تُقيَّم نتائج العلاج التجريبي على أنها نجاح باهر، ولكن مع تحفظات طبية مهمة:
- الصورة السريرية: اختفت تماماً الأعراض الخطيرة لدى KJ، واستقرت مستويات الأمونيا ضمن الحدود الطبيعية، وأصبح الإنزيم المعدل CPS1 في الكبد يعمل بنسبة 65% تقريباً من المثالي. ينمو الطفل بشكل طبيعي، ويتعلم المشي والكلام.
- هل يمكن اعتباره بصحة جيدة تماماً؟ يتجنب العلماء كلمة «مُعالَج». لقد حسّن العلاج جودة حياة الطفل بشكل جذري ووسّع نظامه الغذائي، لكنه لا يزال تحت مراقبة طبية صارمة ويتبع بعض القيود الغذائية.
ماذا بعد؟
حالياً، تكلفة إنتاج مثل هذا الدواء الفردي تعادل تكلفة عملية زراعة كبد معقدة للغاية. ومع ذلك، يؤكد المطورون أنه مع توسيع نطاق المنصة، ستصبح التقنية أرخص بكثير. لقد أثبت نجاح KJ جدوى الطريقة، وفي السنوات القادمة يخطط العلماء لإطلاق تجارب سريرية كاملة لتكييف مقصات CRISPR المماثلة لإنقاذ أطفال آخرين يعانون من اضطرابات استقلابية حادة.




