في عالم تتسابق فيه الشركات وراء أدنى التكاليف في أنحاء الكرة الأرضية، تبدو قصة يوسف أمداني أشبه بمفارقة: ملياردير نما ثراؤه تحديدًا لأنه استثمر في أماكن اعتبرها آخرون بلا آفاق.
أمداني، وهو الممثل الثالث لعائلة من تجار المنسوجات في كراتشي، انتقل في أواخر 1980 إلى الولايات المتحدة لتوسيع أعمال العائلة. وهناك لاحظ حقيقة جغرافية بسيطة: السوق الأمريكية الضخمة تقع حرفيًا بجوار أمريكا الوسطى، حيث تنقص الاستثمارات طويلة الأجل.
في عام 1991 افتتح في هندوراس أول مصنع لشركة Pride Manufacturing. كان القرار تجاريًا محضًا — القرب من العملاء، والمناطق الحرة، وقواعد واضحة. لكن بعد بضع سنوات فقط اتضح أن المصنع لا يعمل دون أشخاص مؤهلين وأصحاء، ودون كهرباء وطرق ومدارس.
وهكذا وُلدت فلسفة «التنمية الدائرية» التي يجسدها أمداني عبر GK Global. فالاستثمارات في البنية التحتية — مركز Green Valley Advanced Manufacturing Hub ومدينة Altia Smart City — تجذب الشركات الكبرى، فتخلق هذه بدورها فرص عمل، وتحصل الأسر على دخل مستقر، وتعود العائدات إلى التعليم والرعاية الصحية ومشاريع جديدة.
وبحسب أمداني نفسه، يُقاس النجاح لا بالربح الفصلي، بل بعدد الأرواح التي تغيّرت إلى الأفضل. وقد وفّرت شركاته اليوم أكثر من 30 ألف فرصة عمل مباشرة و140 ألف فرصة عمل غير مباشرة.
المبدأ الأساسي هو رأس المال الصبور. فخلال الأزمة السياسية عام 2009 تخلّى المستأجرون الأجانب عن العقود بعد أن صُبّ الإسمنت بالفعل. لكن أمداني لم ينسحب: تحمّل التكاليف الثابتة، وحافظ على الفريق، وفي النهاية عزّز سمعته كشريك موثوق.
وتجلّى الصمود ذاته خلال فترات الركود والجائحة، حين وزّعت مؤسسة GK Foundation ملايين الكمامات وسلال المواد الغذائية. فقد تبيّن أن العلاقات والالتزامات طويلة الأجل أهم من المنفعة الآنية.
وخلافًا للنموذج المعتاد «جئت — أخذت — رحلت»، يبني أمداني منظومة يتعزز فيها كل عنصر بالعنصر التالي. فالأسر المستقرة هي مشترون ودافعو ضرائب وعاملون في المستقبل. والاستثمار في المدارس ثنائية اللغة والرعاية الصحية يرفع القيمة البشرية، وبالتالي جاذبية المنطقة لمستثمرين جدد.
واليوم، حين يتحدث الجميع عن الذكاء الاصطناعي، يذكّر أمداني بأن تعليم استخدام التقنية أسهل من تنمية القدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية وتحمل المسؤولية عنها. وتدعم مؤسسته التعليم والبرامج في هندوراس وباكستان والمكسيك ودول أخرى، وقد طالت أكثر من 200 ألف شخص.
ولمن يفكر في الشؤون المالية الشخصية والاستثمار، يقدّم مثال أمداني درسًا بسيطًا. فالأموال المستثمرة في تنمية المجتمع تعود لا بأرباح موزعة فحسب، بل بمرونة المنظومة بأكملها. وكثيرًا ما تنقلب التحركات المضاربية القصيرة إلى خسائر حين تنهار البنية التحتية أو ترحل القوى العاملة.
والمبادئ الخمسة التي يقدمها للجيل القادم من القادة يمكن تطبيقها بسهولة على المستوى الشخصي: اجعل هدفك تحسين حياة الناس تحسينًا حقيقيًا، وابقَ في الأوقات الصعبة، وامنح الناس الحرية والمسؤولية، ولا تسعَ وراء التقنيات الجديدة سعيًا أعمى، واستثمر في الطاقات البشرية.
وفي المحصلة، فإن الثروة المُنشأة بهذه الطريقة لا تتبدد عند أول أزمة. بل تبقى في صورة مهارات وبنية تحتية وثقة — أصول لا يمكن نقلها في ليلة واحدة.
وحين يرى الإنسان أن عمله ورأس ماله يغيّران حياة جيرانه فعليًا، يتوقف العمل عن كونه مجرد وسيلة للكسب. فيصبح وسيلة لترك مكان لا يضطر فيه الجيل القادم إلى الرحيل بحثًا عن حياة كريمة.

