في سبتمبر 2026، أقرّ البرلمان البلغاري بالإجماع، بـ149 صوتًا مقابل صفر وامتناع عشرة، تعديلات تُلزم شركات العملات المشفرة بتزويد السلطات الضريبية ببيانات مفصلة عن العملاء وعملياتهم. ويُدرج هذا القانون، الذي تأخر أكثر من ثمانية أشهر عن الموعد الأوروبي النهائي، البلاد في منظومة DAC8 المشتركة، ويدفع إلى التساؤل: هل لا تزال العملات المشفرة أداة للحرية المالية، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى أصل خاضع للرقابة كغيره.
تقتضي التعديلات على قانون الضرائب وقانون التأمين الاجتماعي من مزوّدي خدمات الأصول المشفرة جمع أسماء المستخدمين وعناوينهم وتواريخ وأماكن ميلادهم وأرقامهم الضريبية والولايات القضائية لإقامتهم الضريبية، وإرسالها إلى الوكالة الوطنية للإيرادات. كما يجب على الشركات الإفصاح عن أنواع الأصول، وإجمالي مبالغ الصفقات، وعدد الوحدات، فضلًا عن العمليات بالعملة الورقية (الفيات) والعمليات من مشفرة إلى مشفرة. وستُتبادل البيانات بين مصالح الضرائب في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمسّ مباشرة من يحتفظون بأصولهم على منصات بلغارية أو أوروبية.
لا يقف وراء هذا القرار مجرد الرغبة في مكافحة التهرب الضريبي، بل أيضًا منطق التنسيق المؤسسي. فقد لاحظت السلطات الأوروبية منذ زمن أن الطابع العابر للحدود لمعاملات العملات المشفرة يزيد من صعوبة تتبع الأحداث الخاضعة للضريبة. وباتت بلغاريا، شأنها شأن بلدان أخرى، مضطرة إلى دمج المعايير الدولية، حتى إن كان ذلك يعني أعباء إضافية على الأعمال المحلية والمستخدمين.
أما بالنسبة إلى المستثمر العادي، فتعني التغييرات نهاية وهم الخصوصية التامة عند التعامل عبر الخدمات المركزية. ومن يفضّلون المحافظ ذاتية الإدارة لا يزالون في ظلّ نسبي، لكن قواعد DAC8 تترك هنا أيضًا منافذ: فقد تظهر التحويلات إلى عناوين خارجية في التقارير. ونتيجة لذلك، تكتسب القرارات الشخصية بشأن حفظ الأصول بُعدًا ضريبيًا وقانونيًا جديدًا.
لنقارن الوضع بجريان الماء في نهر: ما دام الماء يتدفق بحرية في مجراه يصعب قياسه، لكن بمجرد أن يمر عبر البوابات — السدود والعدادات والتقارير — يصبح كل لتر مرئيًا وخاضعًا للمساءلة. وكذلك العملات المشفرة: فهي لامركزية بطبيعتها، لكنها تُضطر على نحو متزايد إلى المرور عبر «بوابات» منظَّمة للوسطاء، فتفقد جزءًا من جاذبيتها الأصلية.
ويشدّد الخبراء على أن أول التقارير الكاملة عن سنة 2026 يُتوقع صدورها في سنة 2027، وأن العملاء المتهاونين يواجهون خطر تقييد الوصول إلى الحسابات بعد تنبيهين ومهلة مدتها 60 يومًا. وهذا يخلق حافزًا عمليًا لتقديم بيانات الإقامة الضريبية في الوقت المناسب والاحتفاظ بالوثائق الخاصة.
وعلى المدى الطويل، يعزز القانون الاتجاه نحو شفافية ضريبية عالمية، حيث تتعلم الدول تبادل المعلومات أسرع مما يتمكن المستخدمون من التكيّف. وبالنسبة إلى من يبنون ثروتهم الشخصية عبر الأصول الرقمية، فهذه إشارة إلى إعادة النظر في استراتيجيات الحفظ والإفصاح لتجنب مطالبات مفاجئة.
في المحصلة، على مستثمري العملات المشفرة أن يتذكروا: حرية امتلاك الأصول باتت متشابكة اليوم عن كثب مع واجب الإفصاح عنها.
