من الحقل إلى جهاز الطرد المركزي: دعونا نستعرض كيف تحول الفيزياء والكيمياء عصارة النباتات المرة إلى سكر أبيض.
يحيط بنا السكر في كل مكان، من قهوة الصباح إلى الصلصات في الأطعمة الجاهزة. وفي الموسم الحالي من أعوام 2025/2026، أنتجت الصناعة العالمية كمية هائلة بلغت 190 مليون طن من هذه المادة. ولكن هل نتساءل عن المسار التقني الذي تقطعه بلورة بيضاء عادية قبل أن تصل إلى مائدتنا، وهل ضرره على الجسم أمر مفروغ منه حقاً؟
إن عملية الحصول على السكر ليست مجرد عصر للعصارة؛ فحوالي 80% من الحجم العالمي توفره مزارع قصب السكر، بينما يأتي الباقي من بنجر السكر. وفي المصانع، تُطحن المواد الخام وتُحول إلى عصير الانتشار. وفي هذه المرحلة، يكون السائل داكناً وعكراً. ولتنقيته، يُستخدم حليب الجير وغاز ثاني أكسيد الكربون؛ إذ تعمل هذه العملية (الكربنة) على ترسيب الشوائب. ثم يُبخر الشراب الشفاف الناتج في أجهزة تفريغ الهواء حتى يصل إلى حالة كتلة كثيفة تُعرف بـ «الأتفيل»، حيث تتكون الميكروكريستالات الأولى. بعد ذلك، تقوم أجهزة الطرد المركزي، التي تدور بسرعة تصل إلى 2800 دورة في الدقيقة، بفصل السكر الأبيض النقي عن دبس السكر البني المغذي (المولاس). واللمسة الأخيرة هي التجفيف بالهواء الساخن حتى الوصول إلى الرطوبة المثالية البالغة 0.02%.
مرحلة الإنتاج
ماذا يحدث داخل المعدات؟
الاستخلاص
غسل السكروز بالماء الساخن من رقائق البنجر أو عصر القصب
التشبع
تنقية العصير بالجير ($Ca(OH)_2$) والغاز ($CO_2$) لربط الشوائب
التبلور
الغليان تحت تفريغ الهواء و«بذر» جزيئات السكر الدقيقة لنمو البلورات
الطرد المركزي
فصل البلورات البيضاء عن المولاس السائل بسرعات هائلة
المنتج النهائي هو سكروز نقي، وهو سكر ثنائي يتكون من الجلوكوز والفركتوز. وعند دخوله إلى الجسم، يتحلل على الفور. ويعد الجلوكوز الوقود الأساسي لخلايا دماغنا وعضلاتنا؛ فبدونه يستحيل توليد الطاقة بسرعة. وهنا تكمن الفائدة الرئيسية للسكر: فهو يعمل كمورد طاقة ومضاد للإجهاد هو الأكثر توفراً وفعالية في الحالات الطارئة.
لا تكمن المشكلة في المادة نفسها، بل في الإفراط فيها وشكل استهلاكها. فالتطور لم يهيئ الإنسان للمنتجات المكررة. فعندما نأكل الفاكهة، تعمل الألياف على إبطاء امتصاص الكربوهيدرات؛ أما السكر الأبيض النقي فيسبب ارتفاعاً حاداً في مستوى الجلوكوز في الدم، مما يؤدي إلى إفراز قوي لهرمون الأنسولين. ومع مرور الوقت، تؤدي هذه «التقلبات» المنتظمة إلى انخفاض حساسية الخلايا للأنسولين. ونتيجة لذلك، يتوقف الجسم عن توزيع الطاقة بكفاءة، ويحول الفائض منها إلى مخازن الدهون.
لا يدعو الطب الحديث إلى التخلي تماماً عن السكر، فهذا من شأنه أن يؤدي مستقبلاً إلى نقص الطاقة وتراجع الوظائف الإدراكية. إنما يتعلق الأمر بثقافة الاعتدال؛ فالحد المعقول من السكر المضاف في النظام الغذائي كفيل بتحسين مؤشرات الاستقلاب بشكل كبير وتقليل العبء على البنكرياس، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جميع مزايا تمثيل الكربوهيدرات.


