فيلم "جنون"، الذي يحمل عنوانه الإيطالي الأصلي "Follemente" ويُعرف أيضاً بالترجمة "موعد مجنون"، شهد إصداره في عام 2025. يمثل هذا العمل الجديد والمثير للاهتمام بصمة للمخرج باولو جينوفيزي، الذي يواصل استكشافه للعلاقات الإنسانية ضمن مساحة محدودة، على غرار ما قدمه في فيلم "شركاء في الجريمة"، ولكنه هذه المرة يركز بشكل أعمق على العالم الداخلي وتعدد الأصوات داخل النفس البشرية.
في البداية، قد يبدو الأمر وكأنك وقعت في فخ أنيق. غرفة واحدة. شخصان. لارا، في الخامسة والثلاثين من عمرها، وبييرو، في الخمسين، يلتقيان في موعدهما الأول بعد يوم طويل. قد يوحي هذا المشهد بالحبس الكلاسيكي، الذي يكاد يكون مسرحياً، والذي قد يسبب شعوراً خفيفاً بالرهاب من الأماكن المغلقة. لكن المخرج باولو جينوفيزي، الذي سبق وقدم لنا "شركاء في الجريمة"، ينجح في خداعنا ببراعة عند بوابة حياتنا اليومية. فهو لا يكتفي بعرض شخصين فحسب، بل يقدم لنا بثاً مباشراً من داخل عقولهما.
وهنا تبدأ السحر الحقيقي. ما يبدو غريباً وحميمياً في البداية، يتسع فجأة كملعب قبل مباراة حاسمة، حيث لا يتنافس أحد عشر لاعباً، بل جيش كامل من "الذوات" الداخلية يخوضون غمار اللعب. في عقل كل من الشخصيتين، تُسمع أصوات: أربعة رجال وأربع نساء، يجسدون أفكارهم ومخاوفهم وطموحاتهم وشكوكهم. إنها نسخة ناضجة، ساخرة، ودقيقة بشكل مؤلم من فيلم "Inside Out"، حيث تسود الشخصيات الفرعية المحددة، اللاذعة، والنابضة بالحياة بدلاً من المشاعر المجردة.
يتكشف السرد كاشتباك نفسي آسر. ظاهرياً، يحاول الشخصان الحفاظ على محادثة مهذبة، والابتسام، وتبادل الإيماءات المحرجة. ولكن داخل أذهانهما، تدور عاصفة حقيقية. ويتجلى هذا الفوضى الداخلية بوضوح شديد، وبطريقة فكاهية ومثيرة للفضول، عندما يتعلق الأمر بالجنس والعلاقات الحميمة.
تخيل: الارتباك الخارجي يصطدم بالذعر الداخلي، وتنعكس عشرات النسخ من ما يحدث في آن واحد في مرايا الوعي. صوت يصرخ بأنك لست جيداً بما فيه الكفاية، وآخر يحلل بسخرية التجارب الماضية، وثالث يتنهد بحالمية، ورابع يحاول السيطرة على الموقف بعقلانية، كمدرب يرسم خطة تكتيكية على السبورة بينما الفريق يخسر. هذا التنافر بين ما نقوله وما يصرخ في رؤوسنا يخلق كوميديا مواقف من أعلى طراز. تضحك بصوت عالٍ لأنك تتعرف على نفسك فوراً في هذه الفوضى.
ليس من المستغرب أن تمنح غايا الفيلم تقييماً عالياً – 8.6/10. هذا التقييم هو نتيجة إعجاب صادق بالفكرة الجريئة، والإخراج المتقن، والرحلة العميقة والمؤثرة نحو اكتشاف الذات. وبالطبع، يُمنح التقييم للفكاهة – التي، مع ذلك، تكشف عن كامل إمكاناتها فقط في النصف الثاني من الفيلم. هناك، عندما تفشل الرقابة الداخلية للشخصيات أخيراً، وتفسح المجال للإخلاص، تصل الفوضى الكوميدية إلى ذروتها، مما يجعل الجمهور يضحك بصوت عالٍ على سخافة وبراعة حواراتهم الداخلية.
مع تقدم المساء، تبدأ الأصوات ليس فقط في التداخل، بل أيضاً في المساعدة. تتجادل، تستسلم، تضحك، وفي النهاية تصل إلى توافق هش. في هذه اللحظة، عندما تُسقط الأقنعة ويهدأ الضجيج الداخلي، يحدث معجزة حقيقية – لقاء شخصين حقيقيين، وليس آليات دفاعهما.
عندما تتلاشى الشارة إلى السواد، تنهض من الأريكة بشعور غريب ومشرق بالاستنارة. تذهب إلى المطبخ، تصب الماء، وفجأة تجد نفسك تفكر أن شخصاً ما يتحدث بداخلك أيضاً. شخص ما يعلق على ما شاهده، شخص ما يجادل، شخص ما يواسي بلطف.
وتتجمد بسؤال على شفتيك: من هذا؟ هل هذا عقلي؟ أم مجرد أحد هؤلاء المتحدثين الخفيين الذين انتظروا أخيراً دورهم ليظهروا على الهواء؟ "جنون" هو فيلم مرآة. لا يقدم إجابات سهلة، ولكنه يجعلنا نستمع. وربما، في هذا الجوقة المجنونة والفوضوية من الأصوات، سنسمع أنفسنا حقاً لأول مرة.



