يبدو أن تاريخ CRISPR يبدأ أبكر بكثير مما كنا نعتقد. فقد اكتشف باحثون من جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومعهد الابتكار الجينومي لدى العاثيات البكتيرية نظامًا جزيئيًا قديمًا يُدعى VIPR — Viral Interference Programmable Repeat، ربما كان موجودًا قبل ظهور أنظمة CRISPR-Cas الأولى.
وقد نُشر بحثان مترابطان في 17 سبتمبر 2026 في مجلة Science. ويُظهر التحليل التطوري أن بروتينات VIPR قريبة الصلة بأقدم مكوّنات CRISPR، وأنها على الأرجح أقرب إلى أصولها التطورية. وهذا يدعم فرضية غير معتادة: بعض الآليات التي نشأ منها لاحقًا المناعة البكتيرية CRISPR ربما كانت في الأصل سلاحًا للفيروسات نفسها في صراعها بعضها مع بعض.
شيفرة وراثية ذات فجوات
أكثر ما يميّز VIPR هو طريقة التعرّف على الحمض النووي.
تقارن الأنظمة العادية الموجَّهة بالحمض النووي الريبوزي (RNA) جزيء الحمض النووي الريبوزي الموجِّه بتسلسل الهدف بشكل شبه متصل. أما VIPR فيعمل على نحو مختلف: إذ يتعرّف حمضه النووي الريبوزي على الحمض النووي لا بتسلسل متصل بل عبر فواصل منتظمة.
وفي الواقع، عند التعرّف على الهدف قد يتجاهل النظام كل موضع ثالث من الحمض النووي. والحرف الثالث في الكودون هو غالبًا الأكثر تغيّرًا، وقد يتحوّر في كثير من الحالات دون تغيير الحمض الأميني.
وهكذا ينشأ مُرشِّح جزيئي خاص: إذ يولي VIPR اهتمامه للجزء الأكثر ثباتًا من التسلسل ويتجاوز المواضع الأسهل تغيّرًا. وهذا قد يصعّب على الفيروس الإفلات من التعرّف عبر الطفرات.
وثمة غرابة أخرى. فتفاعل VIPR مع اللولب المزدوج للحمض النووي يختلف تمامًا عن تفاعل أنظمة CRISPR المألوفة. وقد أظهرت الدراسات البنيوية أن المركّب يشكّل حول الحمض النووي بنية غير معتادة بمشاركة الحمض النووي الريبوزي والحمض النووي — أشبه بلولب ثلاثي جزيئي.
تفاعل الفيروسات قبل CRISPR بزمن طويل
يُظهر تحليل الأهداف الطبيعية لـ VIPR أن العاثيات البكتيرية الحاملة لهذا النظام كثيرًا ما توجّهه ضد عاثيات أخرى تصيب العوائل نفسها.
أي أن VIPR كان على الأرجح في الأصل جزءًا من تفاعل جزيئي قديم «فيروس ضد فيروس».
ويفترض المؤلفون أن البكتيريا ربما استعارت لاحقًا مكوّنات من أنظمة مماثلة وحوّلتها إلى حماية خاصة بها من الفيروسات. ومن هذا التبادل القديم للسلاح الجزيئي ربما نشأت تدريجيًا أنظمة CRISPR-Cas المبكرة.
ولا يمكن تحديد كم مضى على ذلك تحديدًا مباشرًا. ويربط الباحثون أصل هذه الآليات بمراحل مبكرة جدًا من تطور الحياة الخلوية — ربما قبل آخر سلف مشترك شامل للكائنات الحديثة. لذا قد يكون الأمر فعلًا متعلقًا بأحداث وقعت قبل مليارات السنين، لكن العمر الدقيق لـ VIPR لا يزال فرضية حتى الآن.
أداة جديدة للهندسة الوراثية؟
VIPR مثير للاهتمام ليس فقط بوصفه اكتشافًا تطوريًا.
مكوّنه البروتيني شديد الإحكام، ولا يحتاج النظام في التعرّف على الهدف إلى تسلسل PAM المجاور — وهو قيد مميّز مثلًا لـ Cas9. وهذا قد يوسّع من حيث المبدأ عدد مواضع الحمض النووي التي يمكن توجيه النظام إليها.
وقد أظهر العلماء بالفعل أنه يمكن إعادة برمجة VIPR ليرتبط بموضع مختار من الحمض النووي ويكبح عمل الجين.
ولا يعدّ VIPR حتى الآن نظيرًا جديدًا جاهزًا لـ CRISPR لتعديل الجينوم البشري. ففي التجارب المنشورة يتعرّف النظام أولًا وقبل كل شيء على الحمض النووي وينظّم نشاط الجينات؛ أما قدراته على التعديل الكامل أو التدخلات فوق الجينية أو العلاج فلا تزال بحاجة إلى التحقق.
ومع ذلك، يغيّر هذا الاكتشاف النظرة إلى أصل واحدة من أهم أدوات علم الأحياء الحديث.
فقد تبيّن أن CRISPR ليس بداية القصة، بل فصلًا متأخرًا منها. إذ انكشفت خلفه بنية جزيئية أقدم — لم يصنعها الإنسان، وربما لم تصنعها حتى البكتيريا، بل الفيروسات التي كانت قبل مليارات السنين تتعلّم بالفعل التعرّف على التسلسلات الوراثية لمنافسيها.
وعندما ننظر أعمق في التطور، نكتشف لا مسوّدات أولية للطبيعة، بل تقنيات بدأنا للتوّ نفهم مبدأ عملها.



