Starbucks: بيع المكان الذي تود العودة إليه، لا مجرد القهوة

الكاتب: Tatyana Hurynovich

Starbucks: بيع المكان الذي تود العودة إليه، لا مجرد القهوة-1

كيف حول هوارد شولتز متجراً لحبوب القهوة إلى إمبراطورية عالمية بإيرادات بلغت 36 مليارات دولار، مغيراً بذلك مفهوم «المقهى» بحد ذاته ومبتكراً فلسفة «المكان الثالث».

اليوم، حين تدخل Starbucks في أي بقعة من العالم، فإنك تتوقع الحصول على ما هو أكثر من مجرد مشروب؛ تتوقع تجربة محددة: رائحة مألوفة، موسيقى مريحة، مقعداً ناعماً، وفرصة للعمل على حاسوبك المحمول. لكن القليلين يعرفون أن نموذج العمل هذا، الذي يبدو اليوم بديهياً، كان يُنظر إليه في فترة الثمانينيات 1980 كفكرة مجنونة وشديدة المخاطرة.

إن قصة Starbucks هي حالة دراسية كلاسيكية حول كيف يمكن لتغيير التركيز من المنتج إلى العاطفة والبيئة المحيطة أن يخلق واحدة من أغلى الشركات قيمة في العالم.


رؤية إيطالية ملهمة: الأمر لا يتعلق بمذاق الإسبريسو

في بداية الثمانينيات 1980، كانت Starbucks شركة مختلفة تماماً. كانت السلسلة تضم بضعة متاجر فقط في سياتل، وتعمل بنمط تجارة التجزئة التقليدي: تبيع حبوب القهوة، والشاي، وآلات تحضير القهوة. لم يكن من الممكن تحضير كوب من القهوة وشربه في المكان؛ فهذا النمط لم يكن موجوداً ببساطة.

جاءت نقطة التحول في عام 1983، عندما ذهب مدير التسويق هوارد شولتز في رحلة عمل إلى ميلانو. هناك، لم تكن إيطاليا هي ما أذهله بقدر ما أذهلته ثقافة استهلاك القهوة. لم تكن المقاهي المحلية مجرد نقاط للبيع والشراء، بل كانت مراكز جذب حقيقية. لم يكن الناس يقصدونها فقط لتناول إسبريسو سريع؛ بل كانوا يلتقون بالأصدقاء، ويتناقشون في السياسة، ويقرؤون الصحف، ويجرون أحاديث طويلة مع «الباريستا». كان المقهى منسوجاً في النسيج الاجتماعي اليومي للمدينة.

حينها أدرك شولتز: القهوة ليست سوى ذريعة للتواصل وأخذ استراحة خلال اليوم.

الصدام مع المؤسسين ومخاطرة رائد الأعمال

بعد عودته إلى الولايات المتحدة، حاول شولتز إقناع مالكي Starbucks بتحويل مسار العمل. اقترح إنشاء «المكان الثالث»؛ مساحة مريحة تقع بين المنزل والعمل، حيث يمكن للناس التواصل الاجتماعي والاسترخاء.

لكن المؤسسين رفضوا الفكرة. كانت حججهم تبدو قوية من وجهة نظر قطاع الأعمال التقليدي في ذلك الوقت:

1.    يجب أن تظل Starbucks متجراً للقهوة الفاخرة، لا أن تتحول إلى مؤسسة لتقديم الطعام والشراب.

2.    الأمريكيون يشربون القهوة وهم على عجل، في السيارة أو في المنزل. لن يدفعوا مقابل الجلوس لساعات في مقعد مع كوب واحد من المشروب.

3.    الجدوى الاقتصادية لهذا النموذج غير واضحة: فاستئجار مساحات واسعة، والأثاث، وتدريب «الباريستا»، وخلق الأجواء العامة، كلها تتطلب تكاليف باهظة.

بعد عدم حصوله على الدعم، قرر شولتز المضي قدماً بكل ما يملك. وفي عام 1985، غادر Starbucks وأسس سلسلته الخاصة من المقاهي Il Giornale (تيمناً بمطبوعة إيطالية عن القهوة). استقطب الاستثمارات، واستأجر المساحات، وبدأ في اختبار فرضيته عملياً.

حققت التجربة نجاحاً باهراً. فقد تبين أن الأمريكيين كانوا يفتقرون بشدة إلى مكان يمكنهم فيه قضاء الوقت براحة. وبعد اقتناعهم بنجاح شولتز، وافق المالكون الأصليون لشركة Starbucks في عام 1987 على بيع علامتهم التجارية له مقابل 3.8 مليون دولار.


تكيف عبقري: لماذا يختلف النموذج الأمريكي عن الإيطالي

الخطأ الأكبر الذي يقع فيه العديد من رواد الأعمال هو التقليد الأعمى لنجاح الآخرين. أدرك شولتز أنه لا يمكن مجرد «نقل» النموذج الإيطالي إلى التربة الأمريكية، وبدأ في تطويعه ببراعة ليناسب السوق المحلية واقتصاديات الوحدة.

1. تغيير مصفوفة المنتجات يشرب الإيطاليون كوباً صغيراً من الإسبريسو مقابل بضعة يورو. راهن شولتز على الحجم والتخصيص؛ فظهرت في القائمة أحجام كبيرة من اللاتيه والكابتشينو، ولاحقاً الفرابوتشينو. كانت هذه المشروبات أغلى بكثير من قهوة الفلتر العادية، مما سمح بتحقيق هوامش ربح عالية. علاوة على ذلك، توفرت في المقاهي المخبوزات والشطائر والحلويات، وهي سلع ذات هوامش ربح مرتفعة زادت من متوسط قيمة الفاتورة.

2. الاستثمار في الأجواء خلق شولتز بيئة يرغب المرء في المكوث فيها؛ أرائك مريحة، إضاءة خافتة، موسيقى هادئة، صحف مجانية، ولاحقاً خدمة Wi-Fi. أصبحت Starbucks بمثابة مكتب ثانٍ غير رسمي للمستقلين ومكاناً للاجتماعات العملية غير الرسمية.

3. تغيير منطق العمل: من عملية بيع عابرة إلى طقس يومي قد يتساءل المرء: لماذا تسمح الشركة للزوار بالجلوس لساعات مع كوب واحد من القهوة، شاغلين بذلك طاولة؟ تكمن الإجابة في LTV (القيمة الدائمة للعميل) وترسيخ العادة. كان شولتز يعول على أن الأجواء المريحة ستدفع الشخص للعودة مراراً وتكراراً؛ في الطريق إلى العمل، أثناء استراحة الغداء، أو بعد الدراسة. لم يعد شراء القهوة حدثاً نادراً، بل تحول إلى طقس يومي.


توسيع الإمبراطورية

أدى حدس شولتز وإخلاصه للمفهوم المختار إلى نمو هائل. والأرقام تتحدث عن نفسها:

  • عام 1987 (لحظة شراء العلامة التجارية)، ضمت السلسلة: 17 مقهى.
  • عام 1992 (بعد 5 عاماً): 165 مقهى.
  • أواخر 1990: أكثر من 2 000 منشأة.
  • الوقت الحاضر: أكثر من 40 000 مقهى في أكثر من 80 دولة حول العالم.

وبنهاية السنة المالية 2024، بلغت إيرادات الشركة حوالي 36 مليارات دولار.


أهم دروس الأعمال من تاريخ Starbucks

1.    لا تبع منتجا، بل بع حلا وشعورا. لا يشتري الناس الماء، بل يشترون وسيلة لإرواء عطشهم. لا تبيع Starbucks الكافيين، بل تبيع الشعور بالانتماء والراحة وفترة استراحة في خضم تدفق الأعمال الذي لا ينتهي.

2.    كيّف الأفكار، لا تنسخها. تتطلب الفكرة الناجحة المستمدة من ثقافة أخرى توطيناً عميقاً. فقد أخذ شولتز الجماليات الإيطالية، لكنه أضفى عليها الرغبة الأمريكية في الحصول على حصص كبيرة وتخصيص المنتج حسب الطلب.

3.    لا تخشَ مخالفة «المنطق السائد». إذا كان الجميع من حولك يقولون إن «الأمريكيين لن يجلسوا في المقاهي»، فربما لم يروا بعد المقهى الذي يرغبون في العودة إليه.

4.    مفهوم «المكان الثالث» هو محرك الولاء. من خلال خلق مساحة بين المنزل والعمل، لم تكسب الشركة مجرد عملاء، بل اكتسبت معجبين مخلصين أصبحت زيارة Starbucks بالنسبة لهم جزءاً من هويتهم الشخصية.

اليوم، تُعد Starbucks دليلاً على أنه في عالم يفيض بسلع متشابهة، لا تُدفع أعلى المكافآت مقابل أفضل منتج، بل مقابل أفضل مكان وأفضل وقت تقضيه فيه.

67 مشاهدات

التعليقات

اقرأ المزيد من المقالات حول هذا الموضوع:

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.