بين الاندفاع والفعل: لماذا تتجه السجون اليابانية إلى ممارسة اليقظة الذهنية

الكاتب: Elena HealthEnergy

بين الاندفاع والفعل: لماذا تتجه السجون اليابانية إلى ممارسة اليقظة الذهنية-1
القدرة على مراقبة أفكارك ومشاعرك ودوافعك هي شكل مختلف تماماً من الحرية.

في السجن الطبي في أوكازاكي، يجلس ثلاثة سجناء على حصائر ويتبعون تعليمات بسيطة: شهيق، وزفير بطيء، وانتباه إلى الجسد. نحو أربعين دقيقة من اليوغا وتمارين التنفس والتأمل.

وقد جرى هذا المشهد في 22 ديسمبر 2025 في إطار برنامج تجريبي لليقظة الذهنية استمر شهرين تحت إشراف تاكورو تانيموتو، الأستاذ المشارك في جامعة بوكيو في كيوتو. ووفقًا لوكالة Kyodo News، كان هذا أول مشروع من نوعه في سجن طبي ياباني.

وروى أحد المشاركين أنه كان في السابق يلجأ إلى موظفي المؤسسة طلبًا للمساعدة في لحظات القلق، أما بعد تعلّم تمارين التنفس فقد اكتشف أنه صار قادرًا أحيانًا على تهدئة نفسه بنفسه وتجاوز اللحظة الصعبة.

للوهلة الأولى تبدو الحكاية صغيرة جدًا. لكنها تجري على خلفية تحولات أكثر خطورة بكثير.

في 1 يونيو 2025 نفّذت اليابان أكبر إصلاح لنظام العقوبات منذ أكثر من قرن. وقد دُمجت الفئتان السابقتان لسلب الحرية مع العمل الإلزامي وبدونه في نظام احتجاز جديد يمكن فيه اختيار العمل والتعليم والبرامج الإصلاحية بما يراعي خصائص كل شخص على حدة.

والهدف من الإصلاح ليس تنفيذ العقوبة فحسب، بل أيضًا خفض خطر تكرار الجرائم وإعداد الشخص للعودة إلى المجتمع.

وهنا جاءت ممارسة اليقظة الذهنية مناسبة على نحو غير متوقع.

ومهمتها ليست إجبار الإنسان على «ألا يفكر في شيء». بل تعلّمه ملاحظة الأفكار والأحاسيس الجسدية والمشاعر التي تنشأ، من دون أن يحوّل كل واحد منها تلقائيًا إلى فعل.

فبين الاندفاع وردّ الفعل تنشأ مساحة صغيرة. وربما كانت هذه المساحة تحديدًا هي ما ينقص الإنسان في السابق.

وتقدّم المعطيات العلمية أسبابًا تدعو إلى أخذ هذا النهج على محمل الجد، وإن من دون مبالغة. فقد أظهر تحليل لعدة دراسات عن برامج التأمل بين السجناء انخفاضًا في مستوى التوتر والظواهر الاكتئابية والضغط النفسي العام. غير أن جودة الدراسات متفاوتة، والأدلة على أن التأمل بحد ذاته قادر على خفض احتمال تكرار الجرائم خفضًا ملحوظًا لا تزال غير كافية.

وثمة طبقة أخرى مثيرة للاهتمام في هذه الحكاية، هي الاستقبال الداخلي، أي القدرة على ملاحظة إشارات الجسد نفسه.

وتُظهر الدراسات أن ممارسة اليقظة الذهنية قد تحسّن الإدراك الذاتي للحالات الداخلية. فيبدأ الإنسان يلاحظ على نحو أفضل تنفّسه، والتوتر في جسده، ودقات قلبه، وتغيّرات حالته الشعورية.

وهذا يتيح النظر إلى استعارة التأمل المعروفة نظرة مختلفة. فنحن عادة نكون كما لو كنا داخل نهر من مشاعرنا. يحملنا التيار، وقد لا نلاحظ أحيانًا اللحظة التي يتحول فيها القلق إلى ردّ فعل، والغضب إلى فعل. والممارسة لا توقف النهر. لكنها قد تعلّمنا أن نخرج أحيانًا إلى الضفة ونرى التيار من الخارج.

وتحاول النظريات الحديثة في المعالجة التنبؤية للمعلومات والاستدلال النشط تفسير هذه التغيّرات عبر إعادة تنظيم الانتباه إلى الإشارات الداخلية، وعبر تغيير المعنى الذي يمنحه الدماغ لتوقعاته وأحاسيسه وأخطاء تنبؤه.

لكن هذه حتى الآن مجرد نماذج علمية تساعد في صياغة الفرضيات، لا آلية عمل مثبتة نهائيًا للتأمل.

وربما يكون هذا هو أكثر ما يثير الاهتمام في تجربة أوكازاكي. فهي لا تثبت بعد أن التأمل يمنع تكرار الجرائم. ولا تُظهر أيضًا أن بضعة أسابيع من الممارسة قادرة على تغيير شخصية الإنسان تغييرًا جذريًا.

لكنها تختبر فكرة أكثر تواضعًا، وربما أكثر أهمية: هل يمكن تعليم الإنسان أن يلاحظ حالته الداخلية قبل أن تتحول إلى فعل؟

الحرية الجسدية في السجن محدودة بالجدران. أما القدرة على مراقبة أفكار المرء ومشاعره واندفاعاته فهي شكل آخر تمامًا من الحرية.

وهي تحديدًا ما تحاول اليابان الآن إدماجه في نظام إعادة التأهيل.

25 مشاهدات

المصادر

  • Japan prisons turn to mindfulness to help rehabilitate inmates

التعليقات

هل وجدت خطأً أو عدم دقة؟سننظر في ملاحظاتك في أقرب وقت ممكن.