جزيئا الحمض النووي يحملان شحنة سالبة، وبحسب قوانين الكهرباء الساكنة ينبغي أن يتنافرا. لكنهما داخل الخلية قادران على الاقتراب من بعضهما حتى يكادا يتلامسان، والاصطفاف على التوازي، وتكوين روابط مستقرة.
والآن تمكن الباحثون للمرة الأولى من رؤية بنية هذا الاقتراب مباشرة.
استخدم علماء من جامعتي يورك وشيفيلد المجهر الذري القوى عالي الدقة في وسط سائل، ودمجوه مع المحاكاة الحاسوبية للديناميكا الجزيئية. وفي الصور ظهر لولبان مزدوجان للحمض النووي متجاورين على امتداد عدة لفّات، مع تطابق هندسي مدهش الدقة: إذ اصطفّت الأخاديد الكبرى مقابل الكبرى، والصغرى مقابل الصغرى.
فينتج عن ذلك بنية تشبه سحّابًا جزيئيًا.
الأيونات تصبح جسورًا
ويؤدي دورًا محوريًا في هذه العملية أيونات المعادن ثنائية التكافؤ، وفي مقدمتها المغنيسيوم والكالسيوم والنيكل.
ولأن هيكل الفوسفات في الحمض النووي يحمل شحنة سالبة، فإن الجزيئين يتنافران بطبيعتهما. أما الأيونات الموجبة الشحنة فتخفف جزئيًا من هذا التفاعل، ويمكنها أن تشكّل جسورًا خاصة بين اللولبين المتجاورين.
لكن الآلية اتضح أنها أكثر إثارة للاهتمام من مجرد «تحييد الشحنة».
أظهرت المحاكاة أن الأيونات قادرة على الاستقرار داخل الأخاديد الكبرى والصغرى في الحمض النووي وتكوين شبكة روابط منظمة مكانيًا. وبفضل ذلك لا يقترب اللولبان فحسب، بل يصبحان قادرين على الاصطفاف أحدهما إزاء الآخر في هندسة معينة.
وهذا النموذج تحديدًا، نموذج «سحّاب الحمض النووي» الكهربائي الساكن، اقترحه قبل نحو عشرين عامًا الأستاذ أليكسي كورنيشيف وزملاؤه. وظل حتى الآن نظريًا إلى حد كبير.
والآن حصل الباحثون على تأكيد بنيوي مباشر له.
ليست كل الأيونات تعمل بالطريقة نفسها
تكوّن المعادن المختلفة أنواعًا مختلفة من الروابط.
أظهرت أيونات النيكل تفاعلات أكثر توضعًا مع أجزاء معينة من الحمض النووي. أما المغنيسيوم والكالسيوم فكوّنا شبكات روابط أكثر تنوعًا، وكان بإمكانهما المشاركة في روابط داخل الأخاديد الصغرى والكبرى على حد سواء.
وهذا يعني أن المحيط الكيميائي قادر على التأثير في مدى استقرار بقاء جزيئي الحمض النووي متجاورين، وفي الطريقة التي يتوجهان بها أحدهما إزاء الآخر.
غير أنه من المهم هنا ألا نذهب بعيدًا أكثر من اللازم: فالتجربة لا تُظهر أن الحمض النووي يتعرف من تلقاء نفسه ودون خطأ على تسلسل مطابق بفضل الأيونات وحدها.
فقد لاحظ الباحثون روابط بين تسلسلات متشابهة وأخرى مختلفة على حد سواء. ويرجّح المؤلفون أن تطابق التسلسلات قد يساعد في الحفاظ على الاصطفاف الصحيح ونشر الرابط على امتداد الجزيء، لكن هذه الآلية لا تزال بحاجة إلى دراسة أكثر تفصيلًا.
ولماذا يقترب الحمض النووي بعضه من بعض أصلًا؟
قد تكون لهذه التفاعلات أهمية في العمليات الأساسية داخل الخلية: تنظيم الكروموسومات، وتفاعل مناطق الجينوم، والآليات التي يتعين فيها على جزيئات الحمض النووي أن تجد تسلسلات متشابهة وتقارن بينها.
والعمل مثير للاهتمام أيضًا في مجال تقنيات الحمض النووي النانوية. فكلما فهم الباحثون على نحو أفضل القوى التي تدفع اللولبين إلى الاقتراب، وكيف تؤثر الأيونات في هذه العملية، أمكن تصميم بنى اصطناعية قائمة على الحمض النووي بدقة أكبر، مثل تراكيب «أوريغامي الحمض النووي» وغيرها من البنى النانوية القابلة للبرمجة.
لكن الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة ربما يكمن في أمر آخر.
فعلى المستوى الجزيئي تحل الحياة باستمرار مسائل تبدو للوهلة الأولى مستحيلة فيزيائيًا. إذ ينبغي للولبين سالبي الشحنة أن يتباعدا، لكنهما يجدان نفسيهما بدلًا من ذلك متجاورين، مع تطابق دقيق بين أخاديقهما.
وتساعد بضعة أيونات صغيرة على تحويل التنافر إلى تلامس منظم.




