تحتوي جميع الخلايا البشرية على نفس الجينوم، لكنه يعمل بشكل مختلف تمامًا في كل منها. فبعضها ينتج الإنزيمات، وبعضها الآخر ينتج الهرمونات، والبعض الآخر يشكل الهيكل القوي للعظام والنسيج الضام. لا يكمن الاختلاف في الجينات نفسها، بل في متى وبأي شدة يتم تشغيلها وعملها. لطالما أثار هذا السؤال الأساسي في علم الأحياء اهتمام العلماء. الآن، وجد باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو طريقة جديدة لكشفه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
تحت قيادة البروفيسور جيمس ت. كادوناغي، استخدم الفريق التعلم الآلي لفك رموز مناطق «البدء» الحرجة في الحمض النووي — وهي البادئات التي تحدد المكان الذي يبدأ فيه قراءة الجين. قاد الدراسة طالب الدراسات العليا توري راين-كاريغ، الذي أجرى مع زملائه تسلسلًا عالي الإنتاجية لحوالي نصف مليون متغير من تسلسلات البادئ ودرب نموذج تعلم آلي على التعرف على أنماطها المميزة. أظهرت النتائج أن البادئ النشط موجود في حوالي 60% من المروجات المركزة للجينات البشرية — وهذا أعلى من التقديرات السابقة التي كانت مبنية على البحث عن تسلسلات متشابهة وبلغت حوالي 40–56%. الرقم الجديد أكثر موثوقية لأنه يعتمد على قياسات تجريبية وليس مجرد بحث عن نمط.
لأول مرة، أتاح النموذج الذي تم الحصول عليه التنبؤ بدقة عالية بوجود البادئات في الجينوم وفك رموز التسلسل الوظيفي الأدنى اللازم لبدء النسخ. وهذا يعني أن العلماء يمكنهم الآن النظر إلى جزء من الحمض النووي والقول ما إذا كان سيعمل كبادئ نشط — مثل هذه الأداة لم تكن ممكنة من قبل.
للاكتشاف أهمية عملية كبيرة. فالطفرات في البادئات تعطل التنشيط الطبيعي للجينات وقد تساهم في تطور الأمراض، بما في ذلك السرطان. يتيح النموذج الجديد تقييم تأثير هذه التغييرات قبل إجراء التجارب على الخلايا الحية — وهذا يوفر الوقت والموارد ويساعد الأطباء على التنبؤ بشكل أكثر دقة بعواقب الطفرات لكل مريض على حدة. بالإضافة إلى ذلك، يفتح التوقيع المفكوك للبادئ الطريق أمام التقنيين الحيويين لإنشاء مروجات اصطناعية بخصائص يمكن التنبؤ بها مسبقًا للعلاج الموجّه والهندسة الوراثية.
يحتوي الجينوم البشري على حوالي 3 مليار زوج قاعدي — وهي تعليمات ضخمة تشفر القواعد: أين ومتى وبأي كمية يجب أن يعمل كل من 20 000–25 000 جينًا. البادئ هو مجرد واحد من العديد من العناصر التنظيمية التي تتحكم في هذه العملية. النموذج المدرب على البادئات هو الخطوة الأولى في فك رموز «اللغة» الجزيئية للتنظيم. يلاحظ العلماء أنهم يخططون في المستقبل لتوسيع البحث ليشمل عناصر تنظيمية مهمة أخرى في الجينوم: المعززات (التي تزيد من نشاط الجينات) والكواتم (التي تثبطها) — لتكوين صورة كاملة لكيفية تشغيل وإيقاف الجينات في الخلايا المختلفة.
الدراسة، التي نُشرت في المجلة المرموقة Genes & Development في 31 يوليو 2026، تمثل خطوة مهمة في العمل الطويل الأمد لبناء ذكاء اصطناعي كامل لفك رموز كود التعبير الجيني البشري — المجموعة الكاملة من التعليمات التي تحدد أي الجينات يتم تشغيلها، ومتى، وفي أي خلايا. التطبيق العملي يلوح في الأفق القريب: سيتمكن الأطباء من التنبؤ بشكل أكثر دقة بعواقب الطفرات، وسيحصل التقنيون الحيويون على أداة لبناء تسلسلات تنظيمية اصطناعية بخصائص محددة.
فهم الآليات التي تقرر أي جين «يتم تشغيله» في اللحظة المناسبة وبالكمية المناسبة يقربنا من طب شخصي أكثر دقة. يساعد هذا في الإجابة على السؤال الأساسي في علم الأحياء: لماذا ينتج نفس الحمض النووي هذا التنوع المذهل من الخلايا والأنسجة والأعضاء في كائن حي واحد.


