في بحر الصين الجنوبي، بالقرب من جزيرة هوانغيان، يقع أحد أكثر التكوينات الطبيعية غرابة التي اكتشفها باحثو البحار في السنوات الأخيرة. للوهلة الأولى، يشبه الثقوب الزرقاء الشهيرة الأخرى، وهي فجوات دائرية عميقة تحيط بها مياه زرقاء داكنة. ومع ذلك، أظهرت دراسة جديدة أن العلماء أمام جسم ذي طبيعة مختلفة تمامًا.
على عكس معظم الثقوب الزرقاء المعروفة التي تشكلت في الصخور الجيرية منذ آلاف السنين، نشأ التكوين الموجود بالقرب من جزيرة هوانغيان منذ حوالي 3200 عامًا نتيجة لنمو شعاب مرجانية. وهذا هو أول ثقب أزرق مرجانيتمت دراسته بالتفصيل، مما يجعله ذا قيمة خاصة للعلم.
ومن أجل استكشاف هذا النظام البيئي، دمج الخبراء الصينيون عدة أساليب حديثة في آن واحد. حيث أجرت المركبات التي تعمل تحت الماء تصويرًا فوتوغرافيًا وفيديو تفصيليًا، وسمح رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد بإعادة بناء هيكل الثقب، بينما ساعد تحليل الحمض النووي البيئي (eDNA) في تحديد أنواع الحيوانات حتى من خلال آثار المادة الوراثية التي تركتها في الماء.
وجاءت النتائج مبهرة.
فقد سجل الباحثون 165 أنواع من المرجان المكون للشعاب و 184 أنواع من الأسماك. وبالإضافة إلى ذلك، عُثر داخل الثقب الأزرق وحوله على المحار العملاق، وشقائق النعمان البحرية، والإسفنج، بالإضافة إلى آثار لوجود سلحفاة بحرية خضراء نادرة. وأظهر تحليل eDNA أن التنوع الحقيقي للكائنات الحية قد يكون أعلى من ذلك، حيث لا يمكن رؤية جميع الأنواع أثناء عمليات الغوص المباشرة.
ومع ذلك، لم يكن الاكتشاف الرئيسي هو عدد الكائنات الحية التي تم العثور عليها.
فقد أتيحت للعلماء الفرصة لتتبع كيفية تشكل النظام البيئي المرجاني المعقد والحفاظ عليه على مدى عدة آلاف من السنين. وتصبح مثل هذه التكوينات الطبيعية بمثابة أرشيفات لتاريخ المحيط، مما يسمح بدراسة عمليات نمو المرجان، والتغيرات في البيئة البحرية، وآليات الحفاظ على التنوع البيولوجي.
حتى وقت قريب، كانت مثل هذه الدراسات مستحيلة تقريبًا. فقد حد العمق والتضاريس المعقدة وهشاشة المجتمعات المرجانية بشكل خطير من إمكانيات البعثات التقليدية. واليوم، تغير المركبات ذاتية القيادة تحت الماء، والأنظمة الروبوتية، ورسم الخرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، وأساليب تحليل الحمض النووي البيئي هذا الوضع. وهي تسمح معًا باستكشاف الأنظمة البيئية البحرية بدقة عالية وبأقل تأثير على البيئة.
تذكرنا قصة ثقب هوانغيان الأزرق بأنه حتى في القرن الحادي والعشرين، لا يزال المحيط يضم أماكن لا يعرف العلم عنها سوى القليل. فكل دراسة جديدة لا توسع قائمة الأنواع المعروفة فحسب، بل تساعد أيضًا في فهم كيفية عمل الأنظمة البيئية التي تعتمد عليها صحة المحيط العالمي بشكل أفضل.




