في الثقافة المؤسسية والمجتمعية المعاصرة، تُقترن القيادة تقليدياً بالثقة والحسم والقدرة على توليد الأفكار بسرعة. غير أنّ واحدة من أقوى مهارات الإدارة وأكثرها استهانةً بها عن غير استحقاق تظل في الظل، ألا وهي مهارة الإنصات. وكما يشير المبتكر الاجتماعي كين بانكس، الذي يمتلك أكثر من 30 عاماً من الخبرة في مجالات صون الطبيعة والتنمية الدولية والتقنيات، فإنّ الإنصات العميق هو القادر على تفكيك الأحكام المسبقة الزائفة، واكتشاف خبرات قيّمة كانت لتبقى لولا ذلك دون أن يلحظها أحد، والوصول إلى قرارات أكثر توازناً وفاعلية.
إعادة تصوّر القيادة من منظور الإنصات
الإنصات الحقيقي ليس مجرد وقفة قبل أن يتكلم المرء بنفسه، ولا التزاماً شكلياً بقواعد اللياقة. إنه عملية تحليلية فاعلة تتيح لخبرات الآخرين أن تحوّل الفهم القائم للمشكلة، وتُبقي الباب مفتوحاً لإعادة النظر في الآراء الراسخة.
يعترف بانكس بأنّ أثمن الدروس في مسيرته المهنية لم تأته حين كان يأتي إلى فريق أو مجتمع بالإجابات «الصحيحة»، بل حين كان يكتشف أنه طرح منذ البداية سؤالاً خاطئاً. لقد غيّرت حواراته مع أشخاص تناقض تجربتهم الحياتية والمهنية افتراضاته الخاصة تغييراً جذرياً في مقاربته للقيادة وإدارة التغيير الاجتماعي.
درس عملي: من فرض الحلول إلى الاعتماد على نقاط القوة
من الأمثلة الساطعة على فاعلية هذا النهج عمل بانكس المبكر مع مجتمعات محلية في شرق أفريقيا. في ذلك الوقت، كثيراً ما كانت التقنيات الرقمية تُقدَّم كحل شامل لمشكلات معقدة عجزت عن حلّها وسائل أخرى. غير أنّ الواقع أظهر أنّ مجتمعات كثيرة كانت قد وجدت بالفعل طرقاً عبقرية، ملائمة لظروفها المحلية، لتحسين حياتها بموارد شديدة المحدودية.
ونتيجة لذلك، تحوّل السؤال المحوري من «أي حل جديد يمكننا أن نطبّقه؟» إلى «ما الذي يعمل بالفعل، وما الذي لا يعمل، وهل يمكن للتقنية أن تزيل عائقاً بعينه دون أن تخلق عائقاً جديداً؟».
وقد شكل هذا المبدأ أساس إنشاء FrontlineSMS ، وهي منصة لتبادل الرسائل ساعدت لاحقاً عشرات الملايين من الناس المستضعفين في أنحاء العالم. فبدلاً من إرغام المجتمعات على تغيير سلوكها ليتلاءم مع تقنية جديدة، صُمّمت المنصة مراعيةً أنماط التواصل القائمة أصلاً لدى الناس. وتؤكد هذه التجربة قاعدة إدارية مهمة: التغيير المستدام يحدث حين يستند إلى المعرفة ونقاط القوة الموجودة بالفعل لدى الفريق أو المجتمع، لا حين يتجاهلها سعياً وراء الابتكار من أجل الابتكار.
القيادة في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي
وكما يشير بانكس، تُلاحظ أنماط مماثلة في الإدارة الكلاسيكية أيضاً. ويقول إنّ القادة الأكثر فاعلية ليسوا بالضرورة أولئك الذين يملكون أعلى صوت أو أكثر الآراء صرامة وثباتاً، بل أولئك الذين يلحظون ما يفوّته الآخرون، ويطرحون أسئلة عميقة توضيحية، ويهيّئون فضاءً آمناً لوجهات النظر المختلفة. فسلطتهم لا تقوم على أنهم يعرفون الإجابة دائماً، بل على قدرتهم على مساعدة المجموعة في تكوين فهم أكثر اكتمالاً وعمقاً للمشكلة.
ويشدّد بانكس على أنّ هذه المهارة تخضع اليوم لاختبار عسير. فالثقافة المعاصرة تتشكّل أكثر فأكثر تحت تأثير الذكاء الاصطناعي والتواصل الفوري والتنافس غير المسبوق على الانتباه. وفي ظروف كهذه يكافئ النظام السرعة: فالآراء تُطلق في لحظتها، ونشر اليقين المطلق أسهل بكثير من الاعتراف بالشك أو بتعقيد الموقف. ومع ذلك، وكما يؤكد بانكس، فإنّ المشكلات العالمية، من التغيرات المناخية إلى النزاعات الاجتماعية، أعقد من أن تُفهم من وجهة نظر واحدة. فهي تمسّ أشخاصاً مختلفين بخبرات ومصالح متباينة، ولا يستطيع أي قائد، حتى أرفعهم مكانة، أن يرى الصورة كاملة بمفرده.
خاتمة: الإنصات كميزة استراتيجية
من المهم أن نفهم أنّ مهارة الإنصات، في رأي بانكس، لا تضمن بنسبة مئة في المئة اتخاذ قرار مثالي، ولا تعني أن يكون لكل رأي في النقاش الوزن نفسه عند التصويت. فقيمتها الحقيقية، كما يشدّد، تكمن في تحسين قاعدة المعلومات التي تُبنى عليها القرارات تحسيناً نوعياً: فهي تكشف الأحكام المسبقة الخفية، وتُدخل إلى النقاش خبرات متنوعة، وتكشف عن مقاربات أثبتت فاعليتها بالفعل في الممارسة.
ويخلص كين بانكس إلى القول: «التغيير المستدام أكثر احتمالاً حين نعتمد على نقاط قوة الناس، لا حين نتجاهلها في عجلتنا إلى "إصلاح" المشكلة». وفي نهاية المطاف، وهو واثق من ذلك، فإنّ القدرة على الإنصات ليست علامة ضعف لدى القائد أو عدم ثقة، بل ميزته الاستراتيجية الأساسية في عالم معقّد سريع التغيّر.


