تخيل أن الحُصين — وهو جزء صغير من الدماغ مسؤول عن الذاكرة والتوجيه المكاني — يكتسب فجأة قدرة خارقة. فقد اكتشف العلماء أنه في ظل ظروف معينة، يحدث تحول طوري هندسي حقيقي في الشبكات العصبية، ترتفع بعده سعة الذاكرة عشرات المرات (ووفقاً للنماذج، مئات المرات).
لطالما قالت النظريات الكلاسيكية للذاكرة الترابطية: إن عدد الذكريات يعتمد على عدد الخلايا العصبية والمشابك العصبية، وأنه لا يمكن تجاوز هذا الحد. لكن النمذجة الجديدة تظهر أن هذه ليست الحقيقة الكاملة؛ فالدور الرئيسي لا يلعبه مجرد عدد الروابط، بل كيفية تنظيمها في الفضاء، أي هندستها وطوبولوجيتها.
وفقاً لبيانات مسودة بحثية حديثة، عند الوصول إلى «كثافة» حرجة وتنظيم صحيح للروابط، تقفز الشبكة العصبية فجأة إلى حالة جديدة تماماً. فمن «ضباب» فوضوي تتداخل فيه الذكريات باستمرار، تتحول إلى بنية واضحة تشبه البلورة. ونتيجة لذلك، يصبح الدماغ قادراً على تخزين كمية هائلة من الأنماط المستقلة دون تداخل تقريباً.
هذا يشبه إلى حد كبير ما يحدث للمادة عند التحول الطوري: يتحول الماء فجأة إلى جليد، ويتحول المعدن العادي إلى موصل فائق. لكن هنا، «تتجمد» هندسة نشاط الخلايا العصبية وتترتب — ويا للعجب! — تصبح الذاكرة ذات سعة فائقة.
إذا تم تأكيد ذلك في تجارب حقيقية على أنسجة المخ، فسيتعين علينا إعادة كتابة الكتب المدرسية بجدية. ستحصل نظريات الترميز التنبئي (الدماغ التنبئي) على ترقية قوية: فكلما زاد عدد الذكريات المستقلة التي يمكن للنظام تخزينها، زادت دقة بنائه لنموذج العالم وقلت أخطاؤه.
على المدى الطويل، يعد هذا الاكتشاف مهماً في اتجاهين في آن واحد. فبالنسبة للطب، سيفتح آفاقاً جديدة في دراسة مرض ألزهايمر، واضطراب ما بعد الصدمة، وغيرها من الحالات المرتبطة بالذاكرة. وبالنسبة للذكاء الاصطناعي، سيقدم تلميحات حول كيفية إنشاء أنظمة تحتفظ بالسياق لفترة أطول وتتعامل بسلاسة أكبر مع كميات هائلة من المعلومات.
يتضح أن الدماغ كان أكثر دهاءً ومرونة مما كنا نتخيل. ففي بعض الأحيان، لا يتطلب القفز النوعي في القدرات قوة غاشمة تتمثل في ملايين الخلايا العصبية الجديدة، بل يتطلب الهندسة الصحيحة. وكما هو الحال دائماً، وجدت الطبيعة حلاً أنيقاً.




