تتغير جغرافيا الثراء الفاحش بسرعة وتتجاوز حدودها المعهودة. فالعواصم المالية التقليدية في الغرب تفقد زخمها تدريجياً لصالح اقتصادات ناشئة وديناميكية تنضج بنشاط. وتعيد التوقعات التحليلية الحديثة رسم خريطة الاستثمار العالمية، كاشفةً عن قادة غير متوقعين.
ووفقاً لبيانات التقرير الأخير The Wealth Report الصادر عن Knight Frank، ستصبح المملكة العربية السعودية بحلول عام 2031 الرائدة العالمية المطلقة من حيث معدل نمو عدد المليارديرات. ومن المتوقع أن يشهد هذا المؤشر نمواً هائلاً بنسبة 183%. وترتبط هذه الظاهرة ارتباطاً مباشراً بالاستراتيجية الحكومية الطموحة Vision 2030. ففي إطار هذا البرنامج، يتم توجيه العائدات النفطية الضخمة للمملكة بشكل مدروس نحو قطاعات جديدة تماماً في المنطقة: كالخدمات اللوجستية، ومشاريع البنية التحتية العملاقة، والسياحة الدولية. ويستجيب رأس المال الخاص المحلي فوراً لهذه التدفقات، مما يؤدي إلى تكوين ثروات كبيرة جديدة.
ولا تقل النتائج التي تحققها أوروبا الشرقية إثارةً للدهشة؛ إذ احتلت بولندا المرتبة الثانية في التوقعات العالمية مع نمو متوقع في عدد المليارديرات بنسبة 123%. فما السبب وراء هذه القفزة؟ يستفيد اقتصاد البلاد إلى أقصى حد من عمليات «التقريب المكاني» (nearshoring) — أي نقل القدرات التصنيعية لتكون أقرب إلى المستهلكين الرئيسيين. وتسمح القوة الصناعية، والاندماج العميق في سلاسل التوريد الأوروبية، والطفرة في مجال التعهيد التكنولوجي للشركات البولندية بالتوسع بنجاح في السوق العالمية. فرأس المال الخاص، الذي كان يتدفق سابقاً نحو الغرب، بات الآن يتداول بنشاط أكبر داخل المنطقة.
وبطبيعة الحال، ستحتفظ الولايات المتحدة والصين بهيمنتهما المطلقة على قمة هرم الثراء من حيث الأرقام الإجمالية. ومع ذلك، فإن الاتجاه واضح: هناك إعادة توزيع واسعة النطاق للتدفقات المالية العالمية. وتعمل أمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط على تشكيل مراكز جذب جديدة لرأس المال. ويعد هذا إشارة إيجابية للسوق العالمية؛ إذ يقلل تنوع مصادر الثروة من اعتماد النظام المالي العالمي على استقرار لاعبين تقليديين اثنين أو ثلاثة. وتكتسب الأسواق الناشئة زخماً داخلياً قوياً، مما يؤدي على المدى الطويل إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحديث تكنولوجي، ورفع المستوى العام للرفاهية في هذه المناطق.


