في مختبر جامعة كورنيل، اكتشف الفيزيائيون على نحو غير متوقع أن الموصلية الفائقة في سيلينيد الحديد FeSe لا تعتمد على عدد الإلكترونات، بل على مدى كمال الشبيكة البلورية للمادة. وهذا الاستنتاج يغيّر التصور المعتاد عن الموصلات الفائقة عالية الحرارة ويفتح طريقاً جديداً للتحكم فيها.
عادةً ما يغيّر العلماء في مثل هذه المواد عدد الإلكترونات — وهو ما يُسمى التشويب — لكي يصلوا إلى «قبة» الموصلية الفائقة، حيث تفقد المادة مقاومتها عند درجات حرارة مرتفعة نسبياً. أما في FeSe فقد اتضح أن الأمر مختلف تماماً. فقد أظهر الباحثون بقيادة كايل شين أن منحنى هذه القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتشتت الإلكترونات على عيوب الشبيكة، لا بتركيز حاملات الشحنة.
تخيل شوارع المدينة: إذا كانت الطرق مستوية وخالية من الحفر، تسير السيارات بسرعة ودون عوائق. وما إن تظهر الحفر والعقبات حتى تتباطأ الحركة، حتى لو لم يزد عدد السيارات. وهكذا الحال في بلورة FeSe: فالإلكترونات «تتعثر» بعيوب الشبيكة، وهذا بالتحديد ما يحدد متى تصبح المادة موصلاً فائقاً.
يوضح الباحث ما بعد الدكتوراه بول مالينوفسكي، المؤلف الأول للعمل المنشور في PNAS: «لقد تبين لنا أن القبة في هذه المادة لا يتحكم فيها إطلاقاً ما اعتدنا عليه. لا يتحكم فيها مقدار الإلكترونات التي تضيفها، بل العقبات التي تصادفها في طريقها — أي مدى كمال الشبيكة البلورية أو عدم كمالها».
استخدم المجربون منهجية جديدة للتحكم في FeSe وقاسوا كيف تتغير المقاومة عند مستويات مختلفة من الفوضى. واتضح أن الحد الأدنى من الفوضى يتيح بلوغ أقصى درجة حرارة للموصلية الفائقة، في حين أن مجرد تغيير عدد الإلكترونات يعطي أثراً أقل بكثير. وهذا ما يميز FeSe عن معظم الموصلات الفائقة الأخرى المحتوية على الحديد.
الاكتشاف مهم ليس للفيزياء الأساسية فحسب. ففهم دور الفوضى البنيوية قد يساعد في صنع مواد أكثر استقراراً وقابلية للتحكم لتقنيات المستقبل — من المغانط القوية إلى الأجهزة الكمومية. وكلما كانت الشبيكة أنقى، اقتربنا أكثر من الاستخدام العملي للموصلية الفائقة عالية الحرارة.
