داخل كل خلية، يحدث توازن دقيق ومستمر بين بناء هياكل جديدة وحماية المعلومات الوراثية. لكن باحثين من مدريد اكتشفوا مفارقة مدهشة: جزيء لا يمكن انقسام الخلية بدونه، قادر في الوقت نفسه على تعطيل إحدى أهم آليات الحفاظ على الجينوم. العمل المنشور في يوليو 2026 في Biochimica et Biophysica Actaيُظهر أن أحد المنتجات الوسيطة لتخليق الكوليسترول — وهو ميفالونات ثنائي الفوسفات — يثبط إنزيم PrimPol، الذي يساعد الخلية على مواصلة نسخ الحمض النووي حتى عند ظهور عقبات خطيرة.
في كل مرة تستعد فيها الخلية للانقسام، يتعين عليها تنفيذ واحدة من أكثر المهام تعقيدًا في علم الأحياء، وهي نسخ جينومها بالكامل دون أخطاء. عادةً ما تمر هذه العملية دون ملاحظة، ولكن إذا ظهرت تلفيات أو مناطق معقدة في الحمض النووي في طريق آلة النسخ، يتدخل إنزيم PrimPol. يمكن تشبيهه بطاقم صيانة الطرق: فهو ينشئ نقطة انطلاق جديدة، مما يسمح لآلية النسخ بتجاوز العقبة ومواصلة الحركة دون ترك الجينوم غير مكتمل.
هذه الآلية الإنقاذية تحديدًا، كما تبين، يمكن أن يعطلها ميفالونات ثنائي الفوسفات — وهو جزيء وسيط في مسار تخليق الكوليسترول.
استخدم الفريق بقيادة ماريا مارتينيز-خيمينيز مادة فلوروميفالونات لتحفيز تراكم ميفالونات ثنائي الفوسفات. وسرعان ما "علقت" الخلايا في مرحلة نسخ الحمض النووي. وتنشطت فيها إشارات الإجهاد التضاعفي وظهرت علامات تلف الجينوم. ولكن بمجرد أن قام الباحثون بحظر تكوين الميفالونات باستخدام عقار لوفاستاتين، تلاشى هذا التأثير تقريبًا.
كانت نتائج النمذجة الجزيئية مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فقد أظهرت أن ميفالونات ثنائي الفوسفات لا يعمل بشكل غير مباشر، بل يرتبط مباشرة بإنزيم PrimPol ويمنعه من أداء وظيفته. في الواقع، يشغل الجزيء الصغير موقعًا بالغ الأهمية في البروتين ويحرمه من القدرة على بدء إعادة تخليق الحمض النووي في أماكن توقف النسخ.
يكشف هذا الاكتشاف أن مسار تخليق الكوليسترول ليس مجرد خط إنتاج كيميائي حيوي لمكونات الغشاء. فمنتجاته الوسيطة قادرة على التدخل مباشرة في العمليات المسؤولة عن استقرار الجينوم. والنتيجة هي مفارقة خلوية من نوع خاص: فبالتزامن مع الاستعداد للانقسام، قد تقوم الخلية نفسها بتعطيل الآلية التي تساعد على إكمال نسخ الحمض النووي الخاص بها بأمان.
إذا توقف إنزيم PrimPol عن العمل، تتوقف شوكات النسخ بشكل متكرر، وتتراكم تلفيات الحمض النووي، ولا تستطيع الخلية إكمال الانقسام. ويُعتبر عدم استقرار الجينوم هذا أحد العوامل الرئيسية لشيخوخة الأنسجة وتطور الأمراض السرطانية. لذلك، قد تكون العلاقة بين التمثيل الغذائي وآليات النسخ أعمق بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
حتى الآن، تم إجراء البحث على نماذج خلوية فقط، لذا من السابق لأوانه الحديث عن تأثير هذه الآلية في جسم الإنسان. ومع ذلك، يفتح العمل نظرة جديدة تمامًا على استقلاب الكوليسترول. فربما لا تعمل منتجاته الوسيطة كمواد بناء للخلية فحسب، بل كمنظمات قادرة على تحديد متى يجب مواصلة الانقسام ومتى يجب إيقافه.
إن مثل هذه الروابط غير المتوقعة بين التمثيل الغذائي وحماية الحمض النووي قد تصبح أساسًا لأبحاث مستقبلية حول الشيخوخة والأورام، حيث يظل الحفاظ على سلامة الجينوم أحد المهام الرئيسية للطب الحيوي الحديث.




