في الأعماق الواقعة إلى الشرق من خندق ماريانا، تولد الآن اكتشافات جديدة، وللمرة الأولى، يمكن للبشرية أن تشهدها في الوقت الفعلي.
تصل إلينا معظم الاكتشافات العلمية كأخبار جاهزة بالفعل.
لكن تظهر أحياناً فرصة لمشاهدة اللحظة التي تولد فيها المعرفة للتو.
هذا هو بالضبط ما يحدث الآن في الجزء الغربي من المحيط الهادئ.
تقوم سفينة الاستكشاف E/V Nautilus بإجراء دراسة لمناطق المياه العميقة غير المستكشفة جيداً إلى الشرق من خندق ماريانا. وإلى عمق يبلغ حوالي 5600 متراً تهبط المركبات الغاطسة ROV Little Hercules و Atalanta، بينما تقوم المركبة ذاتية القيادة AUV Sentry باستكشاف قاع البحر في الوقت ذاته. ويتم بث كل ما يحدث في الوقت الفعلي تقريباً، مما يتيح للجميع أن يصبحوا مشاركين في بعثة علمية.
المحيط الذي لا نكاد نعرفه بعد
على الرغم من عقود من الأبحاث، لا تزال مساحات شاسعة من قاع المحيط حول جزر ماريانا غير مدروسة تقريباً حتى الآن.
ولهذا السبب تحديداً، تركز البعثة الحالية على الجبال البحرية القديمة، والسهول السحيقة، وأجزاء من قاع المحيط يتجاوز عمرها 167 ملايين سنةيجمع العلماء مواد الفيديو والخرائط عالية الدقة والعينات لفهم التنوع البيولوجي والتاريخ الجيولوجي لهذه المنطقة الفريدة بشكل أفضل.
ولكن ربما لا يقتصر الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة على المحيط فحسب.
بل يتعلق بنا نحن.
حقبة جديدة من الاستكشاف
في الآونة الأخيرة، كانت مثل هذه البعثات متاحة فقط لنخبة ضيقة من المتخصصين.
أما اليوم، وبفضل تقنية الحضور عن بُعد، يمكن لأي شخص متابعة غوص المركبات في أعماق البحار في نفس اللحظة التي تبث فيها الصور من قاع المحيط تقريباً.
لم نعد نعرف الاكتشافات بعد مرور أشهر، بل أصبح بإمكاننا أن نكون حاضرين في اللحظة التي تحدث فيها. وهذا يغير طبيعة العلم ذاتها.
لم يعد الاستكشاف عملية مغلقة، بل أصبح رحلة مشتركة يوحد فيها الفضول الناس في جميع أنحاء العالم.
الفصل الأول من تاريخ لم يُكتب بعد
تفتح كل عملية غوص فرصة للقاء أشكال حياة غير معروفة، أو رؤية هياكل بركانية قديمة، أو استكشاف أجزاء من الكوكب بالتفصيل لأول مرة، حيث لم يسبق للعين البشرية أن وقعت عليها من قبل.
وهذا بالضبط ما يجعل مثل هذه البعثات استثنائية حقاً.
فهي تذكرنا بأن الأرض لا تزال بعيدة كل البعد عن كشف كل أسرارها.
ربما لا تكمن أكثر اكتشافات البشرية إثارة للدهشة في المجرات البعيدة.
بل إنها لا تزال تنتظرنا هنا، في أعماق محيطنا.



