كل لحظة من حياتنا تجمع أحداثًا كثيرة: الأصوات تصير كلامًا، والوجوه تُعرَف، والذكريات تعود إلى الحياة، ونشعر بحضورنا في العالم. ومن هذا التفاعل الديناميكي تنشأ تجربة كلية — كأن نغمات منفردة تتجمع لتؤلف لحنًا. ودراسة جديدة أجراها أندريا لوبي وزملاؤه تتيح لنا النظر في الآليات العصبية التي تشدّ إشارات الدماغ المتفرقة إلى بعضها وتصنع استمرارية الوعي.
العمل المنشور في 29 سبتمبر 2026 في مجلة Nature Neuroscienceقدّمت مقارنة طموحة: فقد حلّل الباحثون النشاط العصبي لدى ستة أنواع من الحيوانات — الإنسان، والمكاك، وقرود المارموزيت، والفئران، ويرقات سمكة الدانيو، والدودة الأسطوانية المجهرية Caenorhabditis elegans. وتتبعوا ما يحدث في الدماغ أثناء اليقظة وتحت تأثير التخدير، بعد أن عالجوا خصائص أكثر من ستة آلاف إشارة من إشارات النشاط العصبي. ونطاق التحليل غير مسبوق: من الرئيسيات العليا إلى كائنات لا تملك سوى بضع مئات من الخلايا العصبية.
وخلف هذا التنوع الهائل في الأجهزة العصبية كان يختفي نظام غير متوقع. فقد أبطأ التخدير الإيقاعات الداخلية للنشاط العصبي وأضعف التناسق بين مناطق الدماغ المختلفة. وفي كائنات شديدة التباين نشأت حالة متشابهة إلى حد مذهل: صار النشاط أكثر انعزالًا، كأن كل خلية عصبية بدأت تعيش وفق قوانينها الخاصة، فاقدة الصلة بالكل.
ويمكن تصور ذلك عبر حوار بسيط. فحين ينصت المتحاوران أحدهما إلى الآخر، تتشابك الكلمات مع ذكرى الجمل السابقة — فيكتسب الحديث عمقًا ومعنى. وفي النشاط العصبي توجد عملية مماثلة: فالإشارة في كل لحظة تحمل في داخلها صدى ما كان قبلها. وهذه الخاصية، التي تسمى في الفيزياء ذاكرة النظام، تدعم استمرارية الوعي. وتحت تأثير التخدير يُمحى هذا الأثر بسرعة أكبر — إذ «تنسى» الخلية العصبية ماضيها. وفي الوقت نفسه تفقد أجزاء الدماغ المختلفة تناسقها: فإذا كان الدماغ المستيقظ يعمل كأوركسترا متناغمة، فإن كل آلة في التخدير تبدأ تعزف لحنها الخاص دون صلة بما سواها.
وكان أوضح دليل على ذلك تجربة أُجريت على المكاك. فحين حفّز الباحثون كهربائيًا النواة المركزية الإنسية للمهاد — وهي بنية دماغية عميقة مرتبطة بالاستيقاظ — عادت الحيوانات تستجيب لما حولها رغم استمرار إعطاء المخدر. وتغيّر النشاط العصبي عندئذ مقتربًا من أنماط اليقظة. ويكشف هذا الاكتشاف عن الدور الحاسم للمهاد: فهذه البنية الصغيرة، بحجم حبة الفاصولياء، تعمل كمُبدِّل رئيسي يربط أجزاء الدماغ المتناثرة في كل واحد.
لكن من المهم هنا أن نتحلى بالصدق في التفسير. فقد كشفت الدراسة تغيرات متشابهة عند إعطاء المخدر وفقدان الاستجابة السلوكية. غير أن السؤال عما إذا كانت جميع الكائنات المدروسة تخوض تجربة ذاتية، وكيف ترتبط العمليات المكتشفة بالوعي تحديدًا، يظل مفتوحًا. فربما تكون الدودة حساسة للمواد الكيميائية فحسب، من دون أي عالم داخلي. وفهم هذا الحدّ هو أحد أكبر ألغاز علم الأعصاب الحديث.
ومع ذلك تكشف الدراسة حقيقة عميقة: إن الوعي يستند إلى ركنين — قدرة الجهاز العصبي على ربط الأحداث في الزمن، وتنسيق نشاط أجزائه. ومن هذه الزاوية لم يعد استعارة اللحن مجرد صورة جميلة. فكل نغمة تُسمع منفردة، لكن علاقاتها بعضها ببعض هي التي تصنع الموسيقى. وهذه العلاقات بالتحديد، هذه الشبكة العنكبوتية من الروابط بين الخلايا العصبية، هي ما يتيح لنا أن نكون أنفسنا — كائنات كلية، متسقة، حاضرة في العالم.


