بضع نغمات — ويبدو أن الغرفة من حولك لم تعد موجودة. يتسع الوعي، ويتغير الفضاء.
أحدهم يرى مرجًا تغمره الشمس، وآخر يشعر بغابة تستيقظ، وثالث يراقب كائنات صغيرة تبدأ في الرقص والحركة. للوهلة الأولى، تبدو هذه تخيلات شخصية تمامًا لا علاقة لها ببعضها. ولكن ماذا لو كانت الموسيقى تروي لأناس مختلفين قصصًا متشابهة بشكل مدهش؟ ماذا لو لم يكن ذلك صدفة، بل نمطًا يمكن رؤيته من خلال عمل الدماغ؟
يُظهر بحث جديد أن أحلام الموسيقى لها بنية. فالصوت لا يخلق مجرد صور فوضوية — بل يوجه الخيال، ويحول الدماغ اللحن إلى فيلم داخلي بحبكة يمكن التعرف عليها وأجواء عاطفية ملموسة.
قصة مخبأة بين النغمات
في 18 أغسطس 2026 في المجلة الدولية Nature Communications نُشرت مقالة تفسر هذا اللغز: Music evokes shared neural representations of imagined narratives across sensory modalities — «الموسيقى تثير تمثيلات عصبية مشتركة للروايات المتخيلة عبر طرائق حسية مختلفة».
أجرى الدراسة علماء من جامعة برينستون: إيتامار جالون، وجمال ويليامز، وكارين إلكترا كريستيانسون، وكارا تيرنبل، وجريس سيمونز، وأوري هاسون، وإليزابيث مارغوليس.
نظم العلماء جلستين للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI). شارك في كل جلسة 20 متطوعًا، تم اختيارهم خصيصًا لقدرتهم على الانغماس العميق في الموسيقى والتخيل الحي. في الجلسة الأولى، استمعوا إلى عشر مقطوعات موسيقية آلية غير مألوفة، مدة كل منها حوالي دقيقة، وكان عليهم أن يتخيلوا أن كل مقطع يحكي قصة ما. بعد الاستماع، وصف المشاركون بصوت عالٍ كل ما نشأ في مخيلتهم.
في اليوم التالي، استمعوا ليس إلى الموسيقى، بل إلى نسخ لفظية من القصص. وقد أعد الباحثون هذه الروايات بناءً على القصص التي ربطها المشاركون غالبًا بكل مقطوعة في التجربة السابقة.
وهكذا، أتيحت للعلماء فرصة فريدة لمقارنة ما يحدث في الدماغ عندما يقوم الشخص بـ:
- الاستماع إلى الموسيقى وتخيل قصة؛
- سرد القصة التي نشأت بالكلمات؛
- الاستماع إلى نفس القصة مروية بالكلام.
أشخاص مختلفون — أفلام داخلية متشابهة
كانت النتائج مذهلة. في المتوسط 71% من القصص، التي تم ابتكارها أثناء الاستماع إلى الموسيقى، تطابقت مع القصة الرئيسية المرتبطة بمقطع معين. أما بالنسبة للقصص التي سُمعت في شكل سرد لفظي، فقد بلغ التوافق 94% — وهو قريب من الإجماع الكامل.
كان أحد المقاطع معبرًا بشكل خاص. فقد وصف جميع المستمعين تقريبًا مرجًا صباحيًا، وطبيعة تستيقظ، وكائنات صغيرة تبدأ في التحرك واللعب. لم يسمع المشاركون هذه الموسيقى من قبل قبل التجربة، ومع ذلك كانت المشاهد التي ابتكروها تشترك في سمات مشتركة — كما لو كان اللحن يوحي بنفس القصة لكل واحد منهم.
لكن هذا لم يعني أن الموسيقى وضعت في أذهان الجميع فيلمًا متطابقًا تمامًا. فقد اختلفت القصص في التفاصيل والشخصيات والارتباطات الشخصية. لكن اتجاه الخيال، وديناميكية الأحداث، والتلوين العاطفي — أي البنية العامة والمعنى — كانت متطابقة. تبين أن الصورة الموسيقية كانت حميمية ومشتركة في الوقت نفسه، شخصية وجماعية.
الدماغ لا يسمع فقط — بل يخلق المعنى
كشفت نتائج فحوصات الدماغ عن كيفية حدوث ذلك. أثناء الإدراك المباشر للموسيقى، تنشط مناطق السمع في القشرة الدماغية، كما هو متوقع. ولكن عندما قارن الباحثون بين ثلاثة شروط — إدراك الموسيقى، وإعادة سرد الحبكة المتخيلة، وإدراك نفس الحبكة بالكلمات — ظهر التشابه في مناطق مختلفة تمامًا.
تم العثور على أنماط متشابهة في القشرة الترابطية وشبكة الوضع الافتراضي للدماغ، أو default mode network. يشارك هذا النظام في دمج المعلومات، والذكريات، والتفكير في الذات والآخرين، والنمذجة الداخلية للأحداث، وبناء السرد.
لا تزال آلية ذلك غامضة جزئيًا، لكن الجوهر واضح: يدرك الدماغ العناصر منخفضة المستوى للصوت — الجرس، وطبقة الصوت، والإيقاع، والحركة — ثم يربطها بالصور والعواطف والارتباطات الثقافية المتراكمة على مدى الحياة. هكذا يمكن لبعض النغمات أن تتحول إلى فضاء، أو شخصية، أو حدث، أو مشهد كامل.
يفترض مؤلفو الدراسة وجود نوع من «القاموس» الداخلي، حيث ترتبط الإيماءات الموسيقية بالمفاهيم والصور. فالأربيجات الناعمة تؤدي إلى حالات من النوم والخيال؛ والطبول المدوية والآلات النحاسية توقظ إحساسًا بالجلال والقوة والعظمة. لكن هذا ليس قاموسًا حرفيًا بترجمات ثابتة وعالمية. فالمعاني الموسيقية تعتمد بشدة على الثقافة، والخبرة الحياتية للمستمع، وسياق الاستماع، والمحتوى العاطفي للعمل نفسه.
الموسيقى توجه الفكر بهدوء
إليزابيث مارغوليس، رئيسة مختبر الإدراك الموسيقي في جامعة برينستون، تطلق على الصور والذكريات والمشاهد الخيالية التي تنشأ أثناء الاستماع اسم musical daydreams — الأحلام الموسيقية. وقد خصصت لهذا الموضوع كتابها Transported: The Everyday Magic of Musical Daydreams، الذي صدر في عام 2026.
الآلية بسيطة لكنها عميقة. يمكن لأغنية مألوفة أن تعيدنا إلى الطفولة، وتذكرنا بالحب الأول، أو برحلة صيفية، أو بمنزل لم يعد موجودًا. ولكن حتى الموسيقى الجديدة تمامًا وغير المألوفة يمكنها أن تقود الوعي إلى مكان معين، وتخلق مزاجًا معينًا.
تفعل ذلك من خلال نظام ارتباطات يشكله كل منا دون وعي طوال حياته. الموسيقى لا «تخترق الدماغ» بالمعنى الحرفي — فهذا مجرد استعارة مشرقة ولكنها غير دقيقة. بدلاً من ذلك، تنشط الروابط العصبية الموجودة مسبقًا وتوجه بلطف الحركة التلقائية للفكر في اتجاه معين. هكذا تتحول التجربة التي تبدو شخصية تمامًا وفريدة من نوعها إلى تجربة مشابهة لتجارب العديد من الآخرين.
ما أثبتته الدراسة بالفعل
ومع ذلك، من المهم فهم حدود الاستنتاجات. لا يدعي المؤلفون أن كل مقطوعة موسيقية تحتوي على حبكة «صحيحة» واحدة، أو أن جميع المستمعين يدركون الموسيقى بنفس الطريقة. سيكون ذلك تعميمًا مفرطًا.
أولاً، كانت التجربة صغيرة: شارك فيها 20 شخصًا فقط، تم اختيارهم مسبقًا لقدرتهم على التخيل بوضوح والانغماس بعمق في الموسيقى. قد لا تمثل هذه العينة جمهورًا واسعًا. ثانيًا، كان لا بد من استبعاد مقطوعتين من أصل عشر مقطوعات موسيقية من التحليل — لأن بدايتهما الهادئة طغى عليها ضجيج جهاز التصوير، مما شوه النتائج.
لذلك، لا يتعلق الأمر إطلاقًا بقراءة الأفكار أو اكتشاف لغة موسيقية عالمية، كما يطلق عليها أحيانًا في الثقافة الشعبية. الاكتشاف أدق وأكثر تحديدًا: الموسيقى قادرة حقًا على توجيه خيال أشخاص مختلفين نحو معنى ومحتوى متشابهين، ويمكن اكتشاف هذه الأنماط العصبية المشتركة بشكل موضوعي عند فحص الدماغ.
الموسيقى لا تنقل رسالة جاهزة، بل دعوة إلى قصة. وكل مستمع يدخل إليها بطريقته الخاصة، مستخدمًا تجربته وخياله الخاصين.
أي موسيقى تفتح عوالم جديدة؟
الدراسة لا تحدد أي نوع أو أسلوب يؤثر على الخيال أكثر من غيره. لكن المنطق يشير إلى ملاحظة مهمة: القصص الداخلية تولد بحرية خاصة حيث لا تشرح الموسيقى نفسها بالكامل، ولا تفرض سيناريو صارمًا.
قد تكون مقطوعة موسيقية غير مألوفة، أو توزيعًا سينمائيًا، أو موسيقى محيطية تأملية، أو بساطة، أو لحنًا بتحولات هارمونية غير متوقعة. مثل هذه الموسيقى تترك مجالًا للخيال. إنها لا تعرض فيلمًا جاهزًا، لكنها تخلق اتجاهًا — إحساسًا بالفضاء، والحركة، والضوء، والاقتراب، أو الطيران. إنها تقدم هيكلًا عظميًا للحبكة، تاركةً اللحم لخيالك.
ربما الموسيقى التي تفتح عوالم جديدة هي تلك التي تحتوي على ما يكفي من الشكل لتوجيه الخيال، وما يكفي من الحرية ليطير. إنه توازن دقيق بين البنية وعدم اليقين.
إنها لا تعرض صورة جاهزة — بل تفتح الباب فقط.
وفي هذه اللحظة يلتقي العلم بالشعر ليس كخصمين، بل كجارين ينظران في نفس الاتجاه. كتب توماس ستيرنز إليوت في «أربع رباعيات»، في الجزء «The Dry Salvages»:
«موسيقى تُسمع بعمق بحيث لا تُسمع إطلاقًا — لكنك تصبح أنت الموسيقى بينما تعزف».
ربما في هذه اللحظة، عندما تتوقف الموسيقى عن كونها شيئًا خارجيًا، شيئًا يصل إلى الأذنين فقط، يحدث الأمر الأهم. لم نعد نستمع إلى القصة من الخارج، كمتفرجين في قاعة سينما. نحن ندخل إليها — ونصبح نحن الموسيقى، وصوتها، وجسدها، ومعناها.




