لفترة طويلة، كانت الرؤية هي الأداة الرئيسية لاستكشاف المحيط.
كاميرات تحت الماء. صور الأقمار الاصطناعية. أجهزة التحكم عن بعد.
ساعد كل ذلك في رؤية المحيط. ولكن اليوم، يواجه علم المحيطات مهمة جديدة.
لفهم الحياة تحت الماء، لم تعد الرؤية كافية.
يجب أن نتعلم الإصغاء.
لم يعد هذا مجرد استعارة جميلة، بل هو اتجاه جديد في العلم الحديث.
خلال الأشهر الأخيرة، أظهرت عدة مشاريع دولية أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتعامل مع الصوت بطريقة جديدة تماماً. فهو لا يكتفي بتسجيل البيانات الصوتية أو تحليلها، بل يساعد في البحث عن الحياة، والتعرف على الأنماط، وحتى اتخاذ القرارات بشكل مستقل أثناء الأبحاث.
الإصغاء محلياً. روبوت يتخذ القرارات بناءً على الصوت
قدّم المشروع الأول باحثون من Woods Hole Oceanographic Institution (WHOI).
في مايو 2026 كشفوا عن CUREE (Curious Underwater Robot for Ecosystem Exploration) — وهو روبوت آلي تحت الماء من جيل جديد.
يقوم CUREE بتحليل الصور من الكاميرات والبيانات الصوتية من أجهزة الهيدروفون في آن واحد، باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي المدمجة.
لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام لا يكمن في معداته؛ فالروبوت لا يتلقى أوامر من السطح.
فهو يتخذ قراراته بنفسه في الوقت الفعلي، ويحدد الوجهة التالية للعثور على المناطق التي تتركز فيها الحياة بكثافة أكبر.
وعندما ترصد الكاميرات أو أجهزة الهيدروفون علامات على وجود نشاط، يغير الروبوت مساره ويتجه تحديداً إلى حيث تبلغ احتمالية اكتشاف تنوع بيولوجي غني ذروتها.
فبدلاً من مسار محدد مسبقاً، يظهر مستكشف لا يكتفي برؤية العالم المحيط به، بل يستمع إليه. وقد نُشرت نتائج هذا العمل في مجلة Science Robotics.
الإصغاء على نطاق واسع. عندما تصبح كابلات الاتصالات آذان المحيط
الخطوة التالية أكثر اتساعاً بكثير.
يمتد عبر قاع المحيط أكثر من 350 كابل ألياف بصرية بحرياً عاملاً يبلغ طولها الإجمالي حوالي 1.2 مليون كيلومتر.
لقد أُنشئت في الماضي حصرياً لنقل البيانات بين القارات.
أما اليوم، فيقترح العلماء استخدامها بطريقة مختلفة تماماً.
فباستخدام تقنية Distributed Acoustic Sensing (DAS) يتحول كابل الألياف البصرية العادي إلى مستشعر صوتي عملاق.
تمر نبضة ليزر عبر الألياف، ويسجل النظام أدق التغيرات في الضوء المنعكس.
تنشأ هذه التغيرات بسبب الاهتزازات والأصوات في الماء وتتحول إلى تدفق مستمر من المعلومات الصوتية. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.
تُميز الخوارزميات تلقائياً بين ضجيج السفن، والنشاط الزلزالي، وأصوات الحيوانات البحرية.
تُظهر الأبحاث أن مثل هذه الأنظمة قادرة على تحليل أرشيفات التسجيلات التي تمتد لسنوات واكتشاف مئات الآلاف من الإشارات الصوتية للحيتان؛ وهو حجم من المعلومات يكاد يكون من المستحيل معالجته يدوياً.
إن البنية التحتية التي أُنشئت للاتصال بين البشر تتحول تدريجياً إلى نظام عالمي للاستماع إلى المحيط.
الاستماع بعمق أكبر. حيث تلتقي علوم المحيطات بالفيزياء الفلكية
يوضح المثال الثالث مدى المفاجأة التي أصبحت عليها الاكتشافات العلمية الحديثة.
في يوليو 2026 أعلن التعاون الدولي KM3NeT عن توسيع المنشأة الموجودة في أعماق البحار ORCA في البحر الأبيض المتوسط.
تتمثل المهمة الرئيسية للمجمع في تسجيل النيوترينوات، وهي واحدة من أكثر الجسيمات غموضاً في الكون.
على عمق حوالي 2500 متراً تنتظر كواشف حساسة حدوث تفاعلات نادرة للجسيمات الكونية مع جزيئات الماء.
ولكن لضمان دقة عمل النظام بأكمله، تُستخدم مستشعرات تحديد المواقع الصوتية.
وهي ذاتها التي تقوم في الوقت ذاته بتسجيل أصوات البيئة البحرية.
وهكذا تتشكل صورة مذهلة.
فالبنية التحتية نفسها تساعد في استكشاف عالمين في آن واحد.
أحدهما هو الفضاء البعيد، والآخر هو أعماق المحيط.
أضف إلى ذلك خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وسنكون أمام نظام آخر قادر على الاستماع المستمر للحياة في الأعماق السحيقة.
ميلاد ثقافة بحثية جديدة
إذا نظرنا إلى كل هذه المشاريع مجتمعة، يبرز نمط مدهش.
في البداية، علّم الإنسان الآلات الاستماع إلى أجزاء محددة من المحيط. ثم - الاستماع إلى مساحات محيطية كاملة.
والآن بدأت التقنيات الاستماع إلى أعمق طبقات الكوكب، حيث تلتقي علوم المحيطات بالفيزياء الفلكية. لم يعد الأمر مجرد أجهزة جديدة، بل ثقافة بحثية جديدة.
ثقافة، فيها السماع يصبح بنفس أهمية الرؤية،
فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل الباحث، بل يوسع نطاق إدراكه.
فهو يساعد في ملاحظة الأنماط التي يستحيل على السمع البشري التقاطها، ويفتح طرقا جديدة لفهم الكوكب الحي.
وعندئذ يطرح سؤال نفسه.
إذا كان المحيط قد خاطبنا دوما بلغة الصوت...
فربما الآن فقط، وبفضل التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي، تتعلم البشرية أخيرا الإصغاء إلى العالم بطريقة جديدة؟



