على حافة هضبة تشينغهاي-التبت، على ارتفاع يزيد على ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وقع اكتشاف مذهل في شقوق صخور بحيرة تشينغهاي. فبين الحجارة الحادة والأشعة فوق البنفسجية الحارقة، حيث يكاد لا ينجو حتى الطحلب العادي، عُثر على نبات نادر للغاية هو Saussurea medusa. ويسمّيه السكان المحليون الكنز الوطني العالي الجبال في الصين، فيما يعتبره العلماء أحفورة حية حقيقية من عالم الجبال الألبية.
يبدو هذا الكائن العجيب في ظاهره أشبه بأرنب أبيض كثّ الفرو متكوّم على الحجارة. فقناباته البيضاء الرقيقة تشبه لوامس قنديل بحر يسبح في أعماق المحيطات. غير أن وراء هذا المظهر الهشّ صلابة لا تُصدَّق. فالزغب الكثيف الفضي الأبيض يعمل بمثابة بذلة فضاء طبيعية موثوقة للنبات. فهو يعكس أشعة الشمس المهلكة ويحميه من صقيع الليل القارس، فيقي أنسجته من التجمد. وهذه المواءمة تمكّنه من الازدهار حيث لا تستطيع أنواع أخرى أن تبقى على قيد الحياة.
وأعجب ما في الأمر دورة حياة Saussurea medusa المأساوية. فهو نبات معمّر أحادي الإثمار ينمو في ظروف قاسية على المنحدرات الرخوة، حيث لا تكاد توجد مواد مغذية، ولا يدوم الصيف أكثر من شهرين. وقبل أن يتفتح مرة واحدة في حياته، يصارع النبات الحياة في صمت أربع أو خمس سنوات، جامعًا موارده الثمينة. وهذه فترة الادّخار ملحمة بقاء في ظروف قصوى.
هذا الانتظار الطويل يفضي إلى خاتمة لا تُبقي أملًا: إذ يزهر النبات مرة واحدة لا غير ليبذل كل قواه في نضوج البذور. وبعد أن يستنفد موارده كاملة يموت، مختتمًا دورة حياته. وتحمل الريح الجبلية بذوره الضئيلة، لكن قليلًا منها فقط ينجو. وفي هضبة تشينغهاي-التبت يتعرض هذا النوع لضغط شديد من العوامل المناخية والبشرية، وقد عُدّ طويلًا منقرضًا في منطقة الجبال المحيطة بالبحيرة. أما ظهور Saussurea medusa من جديد في موطن معروف فكان معجزة علمية حقيقية تبعث الأمل في تعافي الجمهرة.
واليوم تخضع Saussurea medusa لحماية حكومية صارمة في الصين بوصفه نباتًا من الفئة الثانية المهددة بالانقراض. ويسجّل الحرّاس والعلماء إحداثيات كل اكتشاف لهذا النوع النادر للغاية من دون أن يزعزعوا سكونه. وتساعد معرفة توزّع الجمهرات العلماء على وضع استراتيجيات للحفاظ عليه. وما يبقى لنا سوى أن نُدهش من القوة المذهلة للطبيعة القادرة على إبداع روائع بهذا الجمال والصلابة على أقصى حدود العالم المأهول، وأن ندرك مسؤوليتنا عن الحفاظ عليها.


