ما الذي سيتغير أولًا؟
الموسيقى؟ أم الطريقة التي نسمعها بها؟
كان هذا السؤال محور الاهتمام في أواخر يوليو 2026. فقد طلبت مجلة What Hi-Fi?، وهي إحدى المطبوعات العالمية الرائدة في مجال تكنولوجيا الصوت، من مهندسي شركات KEF، Cambridge Audio، Chord Electronics، PMC وغيرهم من الشركات المصنعة لتقديم رؤيتهم حول كيف سيكون الاستماع إلى الموسيقى بحلول عام 2076.
وقد جاءت توقعاتهم متناغمة بشكل مدهش. فلم يكن الحديث يدور حول مكبرات صوت أكثر قوة أو صيغ تسجيل جديدة، بل ركز الخبراء على جانب آخر.
ستصبح الموسيقى تجربة شخصية أكثر بكثير.
ويشيرون إلى أن أحد أهم التوجهات هو تطوير الصوت المكاني.
إذا كانت التقنيات اليوم مثل Dolby Atmos — وهو تنسيق للصوت المحيطي يضع الأصوات في فضاء ثلاثي الأبعاد، بما في ذلك البعد الرأسي، — لا يزال في بدايات انتشاره، ولكن بعد بضعة عقود قد يصبح هذا النمط من الإدراك معياراً طبيعياً تماماً كما هو الحال مع الستيريو اليوم. لكن التغييرات لا تقتصر على ذلك.
يفترض المهندسون أن أنظمة الصوت في المستقبل ستكون قادرة على تحليل صوتيات الغرفة تلقائياً والتكيف مع الخصائص الفردية للمستمع.
لن تكون الموسيقى متطابقة للجميع.
بل ستكون مختلفة لكل شخص، مع مراعاة خصائص السمع والعمر والتفضيلات الشخصية.
ويذهب بعض المتخصصين إلى أبعد من ذلك.
ففي رأيهم، ستتمكن الأنظمة من تحليل المؤشرات الفسيولوجية للمستمع — مثل معدل التنفس، وضربات القلب، ومستوى الإثارة — وتعديل معايير التشغيل في الوقت الفعلي، مما يخلق تجربة موسيقية متزامنة تماماً مع حالة الشخص.
وثمة اتجاه آخر يُناقش بشكل متزايد في الأوساط المهنية، وهو الموسيقى التفاعلية.
فالنظام لا يكتفي بتشغيل المقطوعة المختارة فحسب.
بل يأخذ في الاعتبار السياق وخصائص المساحة المحيطة، ويساعد في تشكيل تجربة موسيقية فردية في الوقت الفعلي.
ومن المثير للاهتمام أن أحداً من المهندسين تقريباً لم ينظر إلى التكنولوجيا كغاية في حد ذاتها.
بل على العكس.
تكاد جميع توقعاتهم تصب في فكرة واحدة: مستقبل الصوت لا يكمن في المزيد من الإلكترونيات.
بل في تقليل الشعور بوجود التكنولوجيا. وزيادة الشعور بـ الحضور الحي للموسيقى.
وهذا هو الاتجاه الذي يتطور فيه الفكر الموسيقي الحديث اليوم.
نحن نشهد بشكل متزايد كيف تساعد التكنولوجيا الإنسان ليس على استبدال الموسيقى، بل على التفاعل معها بشكل أعمق: من خلال ابتكار أشكال جديدة للأداء المشترك، وتوسيع إمكانيات الصوت المحيطي، وجعل التجربة الموسيقية أكثر خصوصية.
أصبح المهندسون يتحدثون بشكل أقل عن المواصفات التقنية للأجهزة.
ويتحدثون أكثر عن جودة الإدراك البشري.
ربما بعد خمسين عاماً، لن يكون الإنجاز الأهم هو الصوت المثالي على الإطلاق.
ولا حتى أكثر مكبرات الصوت تطوراً.
بل التقنيات التي ستتعلم فهم الإنسان بدقة متناهية لدرجة أن الموسيقى ستتوقف عن الانبعاث من الجهاز.
بل ستصبح جزءاً طبيعياً من الفضاء الذي نعيش فيه.
وهنا يطرح السؤال:
إذا كانت التكنولوجيا تتعلم فهم الفضاء والصوتيات وحتى المستمع نفسه بشكل أكثر كمالاً...
ألن يصبح الإدراك البشري هو الآلة الموسيقية الرئيسية في المستقبل بدلاً من التقنية؟




